وانظر كيف ذكر أن آباءهم كانوا في ضلال مبين مع أنه لم يُقم الحجة عليهم، وسواء كان هذا في الشرك أو البدع والمخالفات فالجهل والتقليد ليسا بعذر، وقد روى مسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) [1] .
فهؤلاء رغم جهلهم حَمَلوا الأوزار لما قلدوا من دعاهم إلى الضلال وهم لا يدرون أنه ضلال، فلم يُعذروا بذلك، وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ] النعام:140 [وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} ] النحل:24 - 25 [والمتأمل يُدرك أن هذا يخصص عموم قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} ] التوبة:115[.
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ]لقمان:6[، فهؤلاء أناس يُضلون عن سبيل الله بغير علم أي على جهل منهم ولم يعذرهم الله تعالى بل أعدَّ لهم عذابا مهينا، وإن كان يذكر لنزول الآية سبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وإن من أعجب العجب ألا يسمى بعضهم المشركين مشركين بحجة أنهم لم تبلغهم الرسالة أو لم تقم عليهم الحجة وقد قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} ]التوبة:6 [، فقد سماهم مشركين قبل أن يسمعوا كلام الله وهم جاهلون، وكذلك في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ] البينة:1[، فسماهم الله مشركين قبل إتيان البينة.
وذكر الله أن فرعون طغى قبل أن يرسل إليه موسى فقال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} ]طه:24 [، وقال: {يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} ] طه:39 [، وهذا قبل الرسالة، ففرعون سماه اله عدوا قبل أن تأتيه الرسالة، وقال تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ] الشعراء:10 [، فسماهم الله ظالمين قبل أن يأتيهم موسى رسولا.
(1) رواه مسلم (2674) .