إنه لا خلاف في إقامة الحجة على غير المحارب وإنما يخالف أهل العذر في ثبوت وصف الشرك أو الكفر قبل قيام الحجة على صاحبه فيفرقون بين وقوع الشخص في الكفر ووقوع الكفر عليه، وبين من كفر ومن عمل عملا يدل على الكفر وبين من كفر ومن قامت به صفة مكفِّرة ويبالغون في التحذير من التكفير والتذكير بموانعه وضرب الأمثال والاحتمالات مما يجعل كثيرا منهم إلى الإرجاء أقرب نسأل الله الهداية.
إن في هذه الأمور تفصيلا مهما، نعم ولكن أكثرهم لا يفصِّلون.
ويقول تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ] التوبة:31[، ألا ترى إلى هؤلاء المقلدين الذين قلدوا أحبارهم فوقعوا في الشرك وهم مقلدون جاهلون لم يعذروا بذلك، وهذا عدي بن حاتم كان يجهل أن ذلك الانقياد والاستسلام للعلماء في التحليل والتحريم هو نوع من العبادة لهم، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه صليب من فضة ووجده يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال صلى الله عليه وسلم: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم، فأسلم رضي الله عنه، روى حديثَه أحمد والترمذي وابن جرير، وجاء عن حذيفة وابن عباس في تفسير الآية أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا كما ذكر ابن كثير.
وجاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [1] ، فهؤلاء قوم أفتوا بجهل فضلوا وأضلوا مقلديهم الجاهلين فلم يُعذروا بجهلهم ولم يمنعهم جهلهم من أن يوصفوا بالضالين، وهذا في قوم الأصل فيهم الإسلام حتى لا يقال إن ما مضى في قوم الأصل فيهم الشرك.
واعلموا رعاكم الله أن المقلد جاهل، فهل يُعذر بذلك وآفة التقليد أصل في الوقوع في الشرك، وقد قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} ] المائدة:104 [، فتأمل قوله: لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا فأجهل الناس من يقلد الجهال، ووقع ذلك للمشركين كثيرا قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ] الأنبياء:51 - 54 [.
(1) رواه البخاري (100) ومسلم (2673) .