الصفحة 11 من 58

فانظر إلى هؤلاء الغافلين الذين لم يُنذروا ومع ذلك لم يُعذروا بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في النار فكيف يُعذر قوم بلغهم القرآن ولم يزالوا جاهلين غافلين متلبِّسين بالشرك. ولنتأمل في هذا الموضوع كتاب الله.

يقول جل من قائل: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ] الزمر:64 - 66 [، فصرف العبادة أو بعضها لغير الله هو الشرك بعينه، والأمر بذلك شرك، ومع ذلك وصف هؤلاء الجاهلون بالمشركين، ولم يُعذروا بجهلهم، وهذا من أقوى الأدلة في المسألة حيث ذكر الله حبوط العمل بالشرك الذي أمر به أولئك الجاهلون الذين {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ] الأنعام: 67[.

ويقول تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} ]الأنعام: 148 [فهؤلاء سماهم الله تعالى مشركين ولم يكن عندهم من علم وإنما كانوا يتبعون الظن ولم يُعذروا بذلك، قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] الأنعام:149 [.

وهذا يبين لنا أن الحجة قد تقام على الشخص ويبقى رغم ذلك على جهله فهل يعذر أم أنه ما دام جاهلا لم تُقم عليه الحجة فلا بد من علمه وعناده، فإن قالوا لا يُعذر فما الفرق بين الحالتين وسبب العذر لا يزال موجودا ألا وهو الجهل، وإن قالوا يُعذر فما المترتب على إقامة الحجة عليه والحكم لم يتغير، وهذا يبين لك أن وصف الشرك أو الكفر يثبت قبل قيام الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت