مؤثرات قوية:
إني أكتب هذه السطور بعد أن خرجت من عزلة دامت شهرين في سجن انفرادي، منعت فيه من كثير من الضروريات، وعند المطالبة بحق من الحقوق، فقيد من الحديد في اليدين والرجلين يوهن العظام، ويبعث الآلام، كما وقع معي في مشهد تفيض له المآقي، ووابل من التهديد والوعيد، أتلقاه من أفواه ترعد، وعيون تلتهب، كلما رأت من يعبر عن رأيه، ويأبى الانقياد للظلم وقبول الضيم.
وإهانة وأذى مستمران، بل يتجاوزان السجناء إلى أهليهم، حيث يستقبلون استقبالا ينفر، حيث التفتيش المحرج والوقوف الطويل في الحر الشديد، لمكث دقائق دونها خرط القتاد، تحت عيون الحرس، لا تزيل هما بقدر ما تشعل لوعة الفراق، وتؤجج ألم البين، ناهيكم عن التفتيش البدائي للطعام، حيث تغير ماهيته، والتفتيش الذي تتعرض له كل زنزانة، حيث لا يراعي المفتشون فينا وقت نوم ولا وقت راحة ولا نظم متاع، فيعكرون علينا صفو النوم، ويمنعوننا الراحة، وينثرون نظم متاعنا، بل لا يراعون مواقيت الصلاة فيعطلون صلاة الجماعة.
وسجن انفرادي ضيق إلى أقصى حد، ونتن يلقى فيه السجين مقيدا بالحديد والحبال، بعد عودته من ساحة التعذيب، التي يقاد إليها السجناء على أبسط الأمور، فيمارس ضدهم التعذيب باسم التأديب.
أما الذي لا يستساغ، ويحز في الوجدان وجوده، فهو منعي من التدريس والإرشاد مطلقا، ويزداد الأمر شدة، عندما أرى نفوسا متلهفة لسماح المواعظ، وقلوبا مقبلة على الخير، وراغبة في تغيير حياتها لتمتلئ فضيلة، بعدما أزرى بها الشر والرذيلة.
هذه منظمة"كارتاس"التي مالت إليها قلوب كثير من السجناء، كيف يسمح لها بلقاء السجناء، والقيام بأنشطتها التنصيرية، ثم أمنع من محو الأمية، وتعليم أحكام الطهارة والصلاة؟ إنه يسمح لها بتوزيع الكتب والآلات والألعاب الترفيهية، ووسائل الرياضة البدنية والذهنية، وتوزيع الهدايا، هذا فضلا عن عرض الأغاني والموسيقى الماجنة الصاخبة على