الصفحة 9 من 58

ويبين ذلك قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} ] محمد:19[فهذا يبين أن العلم شرط في تحقيق شهادة الحق لا إله إلا الله وهذا يهدم بجلاء القول بالعذر بالجهل.

ولما دعي المشركون إلى التوحيد حكى الله عنهم قولهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ]ص:5[، فأدركوا معنى كلمة التوحيد وشهادة الحق ولكنهم لم يستجيبوا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعذر القبوريون الذين قالوا كلمة التوحيد ثم نقضوها جهلا بالاستغاثة بالموتى والذبح عند قبورهم وغير ذلك من النواقض؟ وكيف يعذر المحكمون للطاغوت الموالون للكفار المحاربون للدعاة إلى الخير؟

إذا كان أهل العذر بالجهل يقولون إن العلم شرط في التوحيد فكيف يعذرون جاهل التوحيد ويحكمون له به، وإذا لم يشترطوا في التوحيد العلم به فهم دعاة للجهل والضلال.

إن الناس في غفلة ما داموا بعيدين عن الوحي فمن لم يبلغه الوحي فهو غافل، يقول تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} ]يوسف:3 [فمن لم تبلغه الرسالة فهو في غفلة وليس له عذر في ذلك لأن الله أخذ عليه العهد والميثاق بالتوحيد حتى لا يعتذر بالغفلة أو تقليد الآباء، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ] الأعراف:172 - 174[.

فالغفلة والجهل والتقليد ليست أعذارا مقبولة، ولا يُعذر في الكفر إلا المكره المطمئن قلبه بالإيمان قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ]النحل:106 - 108 [، فكل من وقع في الكفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا وهو من الغافلين، فلا ريب أن هذه الغفلة التي منها الجهل تؤدي بصاحبها إلى الشرك فكيف يُعذر بها وهي المؤدية إلى الشرك.

واعلموا أن الجاهلين لم يُكرَهوا فقد فطرهم الله على الإيمان ورزقهم العقول ونصب لهم الأدلة الواضحة والآيات الدالة على وحدانيته فهم غافلون ما لم يوحدوا الله، وغافلون ما لم يأتهم رسول من عند الله، ولا تزول تلك الغفلة إلا بالإيمان والتوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت