فهرس الكتاب
وبعد عدة مشاورات أحضر الفنون الأربعة إلى بونابرت فتوى وقد كتبوها ورفعوا عليها. وكانت مرضية حول مسألة الختان، لكنها صارمة فيما يتعلق بالنبيذ. وبناء على اقتراح من أحد مشايخ الأزهر، تم اختصار الفتوى إلى جزئين الأول والذي رغم مساسه بإحدى العادات الطفسية للإسلام، أقرت فيه بقبول الفرنسيين مع المسلمين، وما أن تم بهذه الصورة تبادروا بإذاعنه في كل المساجد. أما الجزء الثاني، فقد أخضعه المفتون إلى مناقشة جديدة وأرجعوها إلى مكة، وأخيرا أحضروا فتوي لبونابرت، نقوم بنفسير القرآن في هذه النقطة بصورة لصالح عادات الجنود، وقد تم إعلان البيان من أعلى مآذن المسجد الكبير وسرعان ما تداولها مؤذنو المساجد الأقل شأنا ليعلنوها على الشعب ساعة الصلاة (1) . فهل بنعبن، علينا أن نفهم، حسب تاکيدات مؤلفو والتاريخ العلمي والعسكري للحملة، أنه ومنذ هذه اللحظة استنبت الثنة
الكاملة؟ سنكون مبالغة شديدة. فلا المشايخ الذين انصاعوا لرغبة بونابرت ولا الشعب الذي وجهوا إليه نصائحهم کفوا عن اعتباره هو شخصيا وجنوده رجالا أغرابا عن إيمانهم. بل ولا حتى تخلى القائد الأعلى والجيش باسره عن مظاهر المسيحية ولم ينزع عنهم صفة الكفر هذه والتي لم تكن لنمحى إلا باعتناق الإسلام، شريطة أن يكون هذا الاعتناق صريحا مخلصا. فلم يكن من المهم «الجيش لم يرتد الكنائس في إيطاليا أن يرتادها في مصر (2) أو إن أي آثر خارجي للمسيحية بل أية عادة دينية
كانت ستختفي من صفوف الجيش،. فرغم ابتعادهم عن الكاثوليكية، لم يکن الفرنسيون ولا قائدهم أقل کفرا من أجل ذلك. وإنما كانوا كفارا منسامحين، حسني النوايا لأتباع النبي، وكان عدم اكتراثهم الديني هو الجانب الوحيد الذي كان يمكنه أن يفيدهم في إسهامهم في فرض الثقة بنسامحهم وبحسن نواياهم.
ولقد جاهد بونابرت ليعرب عن ذلك بافعاله. فإذا ما قام بعض الجند وهم
(1) راجع برتران (حملات مصر وسوريا) المجلد الأول، صفحه 218
(2) راجع الكومندان فيري المرجع السالف الذكر، بناء على إملاءات نابليون في سانت ميلبرن حول حملاته في مصر وسوريا.