الصفحة 142 من 156

المحاولات التي أشرنا إليها سالفا للعمل في نفس مركز الامبراطورية، في القسطنطينية، والدخول في علاقات مباشرة مع الباب العالي.

أي أن المراسلات قد أمتدت علميا إلى كل العالم الإسلامي العثماني ومن خلالها، فإن السياسة الإسلامية لبونابرت، إضافة إلى الخطابات التي سيرسلها إلى نيبو صاحب Tippoo Sahib ، وسلطان دارفور، وسلطان المغرب، قد هدفت إلى الاتصال مجمل العالم الإسلامي، باستثناء فارس وآسيا الوسطى. ومثل هذه المراسلات الواسعة

النطاق، والتخطيط لمثل هذه السياسة الخارجية العريضة، كانت بلا شك تنعدي الاحتياجات الفورية لحماية مصر من التهديدات أو المؤثرات الخارجية. وبعيدا عن هذا الاهتمام الدفاعي فإنها تنضمن هدفا أكثر إيجابية ستؤكده أفعال وعبارات لبونابرت تكشف عن وجودها في ذهنه. فحينما تسلم من الإدارة مهمة تنفيذ المشروع الذي اقترحه تاليران للقيام بحملة على مصر، فلم يمنع بونابرت خياله، الذي انجذب إلى مصر والشرق أثناء حملته على إيطاليا، من أن يوسع المهمة التي أسندت إليه. فدون حتى أن يتحدث عن إمكانية حملة على الهند، والتي لعله كان قد حصل على موافقة باريس بها، ألم تكن له نظرة حول الشرق ليست قاصرة على حدود مصر؟ إن مشروع التدخل في سوريا سواء بموافقة الجزار، إذا ما استطاع أن يكسبه إلى مصالحه، أو بواسطة السلاح في حالة رفضه، كان على أي حال في البداية من بنات أفكاره: فلا يمكن أن نفسر بطريقة أخرى العرض الذي عرضه على مراد بك، منذ أول أغسطس 1798، بمنحه إمارة في سوريا إذا ما استطاع الجيش أن يمد عمليانه إلى هناك. وإذا ما كان الحظ قد سانده أمام عکا، ترى أي تطور كان سيضفيه على مهمنه الشرقية؟ أكان بسبب القيمة الجوهرية لسوريا أنه صاح إن الحظ قد خانه امام عکا؟ من الصعب الإقرار بذلك. إذ يبدو جليا أن بونابرت في الواقع قد رأى في غزو مصر الشرط المبدئي والمرحلة الأولى لمشروع أكثر اتساعا وأكثر ضخامة، والذي لم يعرب عنه أبدا بوضوح وإنما كان يحاول أن يخلق في الشرق البحر أوسطى بعد أن يقوم بتحويله، عملية تحول رهيب في صراع فرنسا الجمهورية مع أوروبا الملكية. وأن مصر لم تكن بالنسبة له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت