فهرس الكتاب
كان بونابرت عائدا لتوه من حملنه ضد إبراهيم بك، كما علم من جهة أخرى بنبأ رهيب هو الفاجعة البحرية في أبي قير التي تركت الجيش بلا أسطول، ومقطوع الصلة مع وطنه الأم، ومحبوس في مصر. فتعويض الانعكاس المعنوي لهذه الهزيمة على الجيش وعلى الأهالي، كان سببا بالنسبة له ليشارك ويشرك فرقه في احتفالات عيد النيل». .
ففي أول فرو کنيدور (18 أغسطس) (1) ، في السادسة صباحا، خرج منطبا جواده، ومحاطا بحرس يتداخل فيه ذلك الخليط الذي يحبه - جنرالاته، وقيادته العامة، كبايا الباشا وأعضاء الديوان، والموللا (2) ، وأغا الانكشارية وغيرهم من أعيان البلد. وقد اصطف جزء من الحامية تحت السلاح بطول القناة، وستة أساطيل المراكب المزينة بالأعلام على شطآن النيل، وقام سلاح المدفعية في الموقع وفي السكنات بتحية وصول الموكب إلى المقياس وإعلان إتمام الطقس الغريب الذى بمقتضاه يتم إلقاء تمثال امرأة، هي عروس النيل، في المياه. وانضمت إيقاعات الموسيقى الفرنسية إلى الموسيقى العربية بينما كان العمل جاريا لكسر السد. وقام بونابرت بنفسه بتسليم الجائزة لطاقم أول مرکب دخلت القناة، بينما ألقى إلى الجماهير حفنات من الملاليم، وألبس الموللا العباءة السوداء، والنقيب رجا (3) العباءة البيضاء، كما قام بتوزيع ثمانية وثلاثين
قفطانا لأهم المسئولين، وحضر كتابة المحضر الخاص بكسر السد وإثبات ارتفاع منسوب الفيضان إلى 16 ذراعا وخمسة قراريط، وشكر الله على هذه النعمة (4) . وقد
(1) لقصة هذا الاحتفال راجع لاجونكبير المرجع السابق المجلد الثاني، صفحه 480، والتاريخ العلمي والعسكري إلخ .. ، المجلد الأول في الحملة) صفحات 374 - 375، ولم يکن الاحتفال بزيادة النيل من قبيل الطقس الديني كما زعم.
(2) كان من ضمن مهام الموللا الحفاظ على مقياس النيل. راجع في سلسلة الكون، مصر تحت الاستعمار الفرنسي، بقلم أميديه ريم صفحة 64، باريس دار نشر ديدو 1848.
(3) موظف مسئول عن توزيع المياه. راجع أميديه ريم المرجع السابق صفحة 64.
(4) وكما فيما مضى - فإن هذا الحصر يلزم المصريين عندما يكون الفيضان طيبا بدفع المسيرى للديوان الأعلى إلى جانب حصة سيدنا السلطان، والحبوب الواجبة للاماكن المقدسة في مكة والمدينة. راجع لاجونكبير المرجع السابق المجلد الثاني صفحة 480.