الصفحة 2 من 7

وقوله صلى الله عليه وسلم: وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"متفق عليه، وفسرها عليه الصلاة والسلام بأنها"الزاد والراحلة"، كما في حديث الترمذي وابن ماجه والدار قطني."

ولهذا صار جمع من العلماء إلى أنه لا بد من ملك الزاد والراحلة فعلا ولا يحج بسؤال الناس على مذهب الجمهور ولا يحج إلا بما فضل عن قوت عياله ومسكنهم وخدمهم لما ورد في حديث أبي داود عنه عليه السلام: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". ولا يبيع عقارا يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقتهم أو بضاعة يختل ربحها بالبيع فتنقص بذلك عن نفقتهم."

ثم إن الاستطاعة نتفاوت والواجبات تتفاوت كذلك فقد يكون المرء مستطيعًا من وجه عاجزًا من وجه.

ويمثل لذلك بالعذر المبيح للتيمم، فقد يكون المرء قادرا على استعمال الماء لكنه فاقد الماء أو ليس عنده إلا ما يكفيه لشرابه، وقد يكون واجدًا ماءا إلا أنه لو استعمله لمرض بحمى ونحوها فهو قادر من جهة توفر الماء عاجز من جهة المرض.

قال الرَّاغِبُ: الاستطاعَةُ عندَ المُحَقِّقينَ: اسمٌ للمعاني التي بها يَتَمَكَّنُ الإنسانُ مِمّا يُريدُه من إحداثِ الفعلِ وهي أَربعَةُ أَشياءَ: بِنْيَةٌ مَخصوصَةٌ للفاعِلِ وتَصَوُّرٌ للفِعْلِ ومادَّةٌ قابِلَةٌ لتأْثيرِهِ وآلَةٌ إنْ كانَ الفِعْلُ آلِيًّا كالكِتابَةِ فإنَّ الكاتبَ يحتاجُ إلى هذه الأَربعَةِ في إيجادِه للكِتابَةِ ولذلكَ يُقال: فلانٌ غيرُ مُستَطيعٍ للكتابَةِ: إذا فقدَ واحِدًا من هذه الأَربَعَةِ فصاعِدًا ويُضادُّهُ العَجْزُ وهو أَن لا يَجِدَ أَحَدَ هذه الأَربعةِ فصاعِدًا ومَتى وَجَدَ هذه الأَربعةَ كلَّها فمُستطيعٌ مُطلَقًا ومتى فقدَها فعاجِزٌ مُطلَقًا ومتى وجَدَ بعضَها دونَ بعضٍ فمُستَطيعٌ من وَجهٍ عاجِزٌ من وَجهٍ ولأَنْ يُوصَفَ بالعجزِ أَولَى. والاستِطاعَةُ أَخَصُّ من القُدْرَةِ وقوله تعالى:"ولِلَّه على النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلًا"فإنَّه يحتاجُ إلى هذه الأَربعة وقولُه صلّى الله عليه وسلَّم:"الاستِطاعَةُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ"فإنَّه بيانٌ لِما يُحتاجُ إليه من الآلةِ وخصَّه بالذِّكْرِ دونَ الآخر إذْ كانَ مَعلومًا من حيثُ العقلُ مُقتَضى الشَّرعِ أَنَّ التَّكليفَ من دونِ تلكَ الأُخَرِ لا يَصِحُّ. (التاج 5/ 444)

وبذلك ندرك أن الاستطاعة مفهوم واسع لا يعنى عدم القدرة البتة؛ ولهذا فإن مقصد التيسير يلتقي مع مفهوم الاستطاعة وهو مقصد مؤصل من الكتاب والسنة.

قال أبو إسحاق الشاطبي:"المسألة السادسة": فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [3] وقوله {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [4] وفي الحديث:"قال الله تعالى قد فعلت" [5] وقد جاء: لاَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت