وإذا كان القول بوجوب التداوي لا يوجد له ذكر كبير في كتب المتقدمين، ولم يقل به إلا القليل من الفقهاء، ولم نجد من اعتنى بأدلته فإنه عندي لا يبعد أن يكون له حظ من النظر إذا توقفت عليه الحياة توقفا محققا، وذلك بأن يتحقق الهلاك إذا لم يقع العلاج، ويقطع بنفعه في ذلك، ويمكن أن يستمد دليله في هذه الحالة من عموم النهي عن قتل النفس والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29) وقال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195) .
وحفظ النفس واجب بالاتفاق، وبالنصوص، وتفريعات الفقهاء مؤسسة عليه، فتجدهم يقولون بوجوب أكل المضطر الميتة إذا خاف الموت من الجوع [1] ، وتجدهم يقولون بوجوب الفطر في رمضان إذا خاف الصائم على نفسه أو منافعه الأساسية يقول خليل في مختصره «ووجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى» [2] قال عليش في هذا المحل: لأن حفظ النفس والمنافع واجب [3] .
وتجدهم يقولون بوجوب مواساة المضطر بخيط تحتاج له جائفة فيه أو جرح آخر إن لم يعالج به مات منه، ويضمن من فعل ذلك، فلو لم يكن العلاج بذلك واجبا لما وجب على المالك بذله للمريض، ولما ضمن نفسه إذا مات.
يقول الدردير في شرحه لمختصر خليل: ويضمن بسبب ترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة بعاقل إن خاط به سلم، فترك المواساة حتى تلف، ومثل الخيط الإبرة، ومثل الجائفة كل جرح يخشى منه الموت [4] .
ومثله في شرح عبد الباقي على مختصر خليل [5] ، وفي حاشية الحطاب على المختصر أيضا [6] ، فهذه الأمور كلها تدل على أن كل ما ترتب عليه حفظ النفس
(1) الدردير: الشرح الكبير لمختصر خليل مع حاشية الدسوقي: (2/ 182) دار الفكر.
(2) خليل بن اسحاق: مختصر خليل: (ص: 69) , دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
(3) عليش: منح الخليل (1/ 410) المرجع السابق.
(4) الدردير: الشرح الكبير: (2/ 175) دار الفكر.
(5) عبد الباقي الزرقاني: شرح مختصر سيدي خليل: (3/ 21) ، دار الفكر.
(6) الحطاب: مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: (3/ 224) ، دار الفكر.