بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد،
فقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185) , وقال عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) , وقال أيضًا: {يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (النساء: 28) , وقال - صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار [1] ، وبما أن شريعتنا الغراء شريعة سمحة تنطلق مع مصالح المسلمين وترفع الحرج عنهم فلا بد أن تحتوي على حلٍّ شامل لجميع متطلبات العصر ومشكلاته.
وقد بذل فقهاؤنا المتقدمون أقصى جهودهم لبيان مقاصد الشريعة واستنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة وشرحها أتم شرح، حتى لم يَدَعوا مشكلة دينية إلا وقد قدموا حلاًّ شاملًا لها موافقًا للكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
ومن هذه القضايا المهمة قضية المفقود، ومدى انتظاره للحكم بموته حتى تحل زوجته لغيره وتقسم أمواله بين ورثته، وبالرغم من التطور في مجال الاتصالات والمواصلات إلا أن ظاهرة الفقد لا تزال موجودة، تشهد لها الأخبار التي تتحدث عن ثورات عسكرية أو مدنية أو كوارث طبيعية ينتج عنها كثير من المفقودين. ولعل أهمية هذا الموضوع قد ازدادت بعد الثورات التي شهدتها بعض الدول العربية كسوريا وليبيا وبعد المشكلات التي يمر بها المسلمون في فلسطين وأفغانستان وغيرهما.
وقد أعطى فقهاؤنا المتقدمون أهمية فائقة لهذا الموضوع وحددوا لانتظار المفقود مدة زمنية يحكم بعد انقضائها بموته وتقسم تركته وتحل زوجته لغيره ويجري عليه سائر أحكام الميت، إلا أن المذاهب تختلف وجهاتها في تعيين هذه
(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (3/ 224) ، والإمام أحمد في المسند (5/ 55) ، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 69) ، والدارقطني (3/ 77) وغيرهم.