الصفحة 5 من 26

المدة؛ لأن الفقهاء إنما حددوها اعتمادًا على مدى إمكانية البحث والعثور على المفقود وإمكان وصول الرسائل إليه ذهابًا وإيابًا، حيث لم يرد في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مدة زمنية معينة لانتظار المفقود إلا ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة كما سيأتي.

وفي العصور الماضية كان الاكتشاف عن المفقود والعثور عليه والوصول إليه من الأمور الصعبة جداًّ؛ حيث كانت وسائل الإعلام ضعيفة ووسائل النقل بطيئة جدًا، إضافة إلى الحروب المستمرة بين القبائل والبلاد والعلاقات السيئة بين الدول مما يؤدي إلى صعوبة البحث والتجسس عن المفقود، وحتى لو عرفت حياته كان من الصعب الوصول إليه والتعرف عن خبره.

وعلماؤنا المتقدمون إذ عينوا لانتظار المفقود مدة زمنية طويلة لم يألوا جهدهم في الموضوع؛ لأنهم اعتمدوا فيه على هذه الظروف السيئة والمانعة عن التعرف عن المفقود والاطلاع عليه، فبعضهم قسم المفقود إلى المفقود في دار الإسلام والمفقود في دار الحرب، وكذا إلى المفقود في الحروب بين المسلمين والمفقود في الحروب بين المسلمين والكفار، كما قسم بعض آخر المفقود إلى مفقود ظاهر حاله السلامة كالمفقود في سفر التجارة وإلى مفقود ظاهر حاله الهلاك كالمفقود في الحروب، فلا عجب في أن أكثر الفقهاء جعلوا لانتظار المفقود مدة زمنية طويلة مائة وعشرين أو تسعين أو ثمانين أو نحو ذلك.

إلا أن تلك الظروف السيئة قد تغيرت في العصر الراهن، فبالتطور السريع والتقدم الهائل في العلم والتقنيات والمواصلات والاتصالات بين البلدان وكذا بالتغير الحاصل في العلاقات الدبلوماسية والسياسية والتجارية بين الدول العالمية بعضها مع بعض صار البحث عن المفقود والاكتشاف عنه والوصول إليه- إن كان على قيد الحياة - من الأمور السهلة والممكنة.

فهذا التغير الجذري في إمكانية التفقد والعثور على المفقود لا بد من أخذه في الاعتبار قبل الحكم في المسألة وترجيح أحد أقوال العلماء فيها؛ لأن في العصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت