فمشكلة المرجئة أنهم أخفوا عمل القلب وجعل الإيمان في قول القلب فقط، فمن يسب الله تعالى مشكلته ليست في التصديق وإنما في انعدام التعظيم لله تعالى، وكذلك الذي يظاهر المشركين، فإنّة انتفى عنده إيثار الحق على الباطل، وقال في مثلهم الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة هو أعظم أسباب الشرك.
فالقاعدة الصحيحة هي: القول والفعل المكفّر الظاهر لا بد أن يرافقه كفر باطن، ولكنّ هذا الكفر الباطن لا يشترط أن يكون مقابلًا لقول القلب، وإنما قد يكون مناقضا لقول القلب أو عمل القلب أو كليهما. مثل:
-سب الله، وسب الدين: يناقض التعظيم.
-موالاة الكفار على المسلمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} فهؤلاء تولوا الكفّار خوفًا منهم، وذكر الله أنّ في قلوبهم مرض.
-ترك الصلاة كسلًا: وهذا قد كفر من جهة عمل القلب لأنه لو كان لديه يقين كامل لولّد لديه دافع دفعه إلى العمل الفعلي.
-الحلول والإتحاد: وهذه تناقض قول القلب لأنها تناقض العلم.
-الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به: يناقض قول وعمل القلب، لأنه أعرض عن العلم، فإذا أعرض عن العلم ولن يتعلّم فلن يعمل.
الفرق بين سبب الكفر ونوع الكفر
سبب الكفر: هو القول أو الفعل المكفّر الظاهر (نوافض الإسلام) ، والسبب هو وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.
لكل سبب من أسباب الكفر لابدّ له من نوع، ونحن لسنا مطالبين بمعرفة هذا النوع لكننا نجزم بأنه موجود.
نوع الكفر: هو الدافع وهو السبب الباطني للكفر، وقد يتعلق بقول القلب أو بعمل القلب أو بكليهما.
- {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سبب الكفر هنا هو الحكم بغير شرع الله، ونوع الكفر هو عدم التعظيم
- {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} سبب الكفر هو ترك السجود، نوع السجود هو الاستكبار
- {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} ونستفيد من هذه الآية أن هناك استثناء من الكفر لمن لديه مانع معتبر كالإكراه، وقوله: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي من شرح بالكفر صدره من دون إكراه، وإلا لم تكن هناك فائدة لحكم الإكراه ولاستوى المكره وغير المكره،
أمثلة توضيحية:
? انسان + كفر ظاهر + اكراه + اطمئنان قلبه بالايمان = مؤمن
? انسان + كفر ظاهر + اكراه + انشراح صدر بالكفر = كافر
? انسان + كفر ظاهر + بدون اكراه + اطمئنان قلبه بالايمان = حالة مستحيلة
? انسان + كفر ظاهر + بدون اكراه + انشراح صدر بالكفر = كافر
-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا