الصفحة 60 من 194

حصل اقتتال عنيف جدًّا بين الطرفين، فقاتلوا بالسيوف حتّى كسرت، وضربوا النبال حتى نفذت، حتّى تعاضّوا بالأسنان، وبنفس الوقت كانت تجيئ بعض الإستفتاءات فكان معاوية يقول:"إسألوا علي فإنّه أعلم الناس"، حتّى إذا وصل اليوم الرابع، وسمّي هذا اليوم بيوم الهرير (قيل لشدّة الرد فيه، وقيل لكثرة الدماء التي اهريقت فيه) خرجت صيحة تدعو إلى التحكيم وقال دعونا نتحاكم إلى كتاب الله

وهناك قصتين، وأحدها مكذوبة رواها لوط ابن يحي الملقب بابن مخنف الرافضي الكذّاب خلاصتها، أن معاوية رضي الله عنه وعمر بن العاص رضي الله عنه أحسّوا بنهاية المعركة فاتفقوا على أن يرفعوا المصاحف على الرماح ويدعون الطرف الثاني إلى كتاب الله، وذلك ليستعيدوا أنفاسهم ويقلبون الموقف إلى صالحهم ويوقفون تقدّم علي رضي الله عنه وجيشه، فرفض علي رضي الله عنه هذه الدعوة وعَرَف أنها خدعة وطلب استمرار القتال، لكن أصحاب علي رضي الله عنه لم يطاوعوه وقالوا له أن هؤلاء الناس دعونا الى التحكيم فكيف نرفض!، فاجتمع الحكمين (أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص) واتفقوا على تنحية الطرفين (معاوية وعلي رضي الله عنهما) ، فكاد عمرو بن العاص أبو موسى الأشعري فقدّمه، فتقدّم أبو موسى الأشعري وقال للناس أنا أخلع صاحبي كما أخلع هه العباءة، ثم جاء عمرو بن العاص أبو وقال أنا أثبّت صاحبي كما أثبّت هذه العباءة.

أما الرواية الصحيحة هي أن علي رضي الله عنه استجاب إلى نداء المنادي بالتحكيم وقال:"كيف لا أدعوهم إلى تحكيم كتاب الله! والله تعالى يقول {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} فلا أتولى عن تحكيم كتاب الله سبحانه وتعالى"فاستجاب الطرفان لنداء التحكيم، فرفض التحكيم الخوارج' وهم المجموعة التي قتلت عثمان رضي الله عنه، لأنهم عرفوا أنهم لو وافقوا على التحكيم لفضحوا وطبّق بحقّهم القصاص.

فابتدع هؤلاء بدعة التكفير السياسي، فقالوا كيف تحكّمون الرجال والحكم اما هو لله، فكل من يرضى بالتحكيم فهو كافر حلال الدم والمال، مما سمح لهم بالانسحاب والخروج خارج هذا الأمر (ولذلك سمّوا بالمحكّمة) فكفّروا علي ومعاوية رضي الله عنهما وجيشيهما، وانحازوا إلى منطقة تسمّى بالحروراء (ولهذا لقّبوا أيضا بالحروريّة) وابتدعوا بدعة التكفير، ويقول فيهم شيخ الإسلام:"إنهم يكفرون بالذنب، ويعتبرون ما ليس ذنبًا بذنب، ويكفرون لاطاعة والمباح، ويكفّرون بما يختلف فيه الناس اختلافًا سائغا"، وقد ناظرهم ابن عبااس في مسألة التحكيم قائلًا لهم اننا نحكّم الرجال ونحكم بما أنزل الله لقوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فالله تعالى أمرنا بتحكيم الرجال في خلاف بين زوجة وزوجها، فتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أولى، فرجع منهم بضعة آلاف إلى الحق

الخوارج

عن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني قال: (كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه و سلم متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنا:(فذكر الحديث) وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم

فقال عمرو بن سلمة: فرأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج). والنهروان هو اليوم الذي تقاتل فيه علي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت