الواحد منهم عن القمر, القمر معروف ولا يخفى على أحد، ويكفي أن يقال:"هو هذا الذي نشاهده ليلًا", فيقولون:"القمر هو ذلك الجِرم المَحْويَ في الجرم الحاوي"، ثم يذكرون صفاته أنه: صَقِيلٌ عاكسٌ للضوء مُستدير، وما إلى ذلك من أوصافه التي يذكرون!
إذا قلت:"القمر هذا الذي نشاهده في الليل"كفى وحصل المقصود، وإذا قلت:"الهواء هو هذا الذي نَسْتَنْشِقه"كفى، وإذا قلت:"الماء هو هذا الذي نشربه"كفى، ولا حاجة لتعريفه بأمور لا تزيد إلَّا تعقيدًا وغموضًا، ولا شكَّ أن هذا نقص وقصور وإن ظنَّ أصحابه أنه من الكمالات.
وليس العلم -أيها الإخوان- بكثرة الكلام وكثرة الرواية وكثره المحفوظات، إنما العلم هو ما وَقَر في قلب الإنسان من المعارف الصحيحة التي تُورثه يقينًا وعملًا وخشيهً من الله عز وجل وتعظيمًا له، قد يكون الإنسان كثير الكلام ولكنَّ كلامه ليس تحته طائل، أحيانًا لربما تسمع الخطبة كاملة طويلة جدًا، أو المحاضرة كاملة، وتستطيع أن تختصرها بأسطُرٍ ليس تحتها كثيرٌ من العلم! فمثل هذا لا شك أنه مذموم.
وأما العلم الصحيح فإنه لُباب يصعب عليك أن تحذف جملة واحدة منه، فهو لبن خالص سائغ للشاربين، وقد أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا، وكانت خطبه صلى الله عليه وسلم