وكان بعض السلف يقول:"إنْ كان الرَّجل ليجلس إلى القوم فيرون أنَّ به علَّة وما به علة، إنه لفقيه مسلَّم"؛ أي أنَّ كلامه قليل، إذا جلس في المجلس فهو أقل الناس تكلُّفًا وأقلهم كلامًا، والآخر يستهويهم بلسانه الأخَّاذ وفصاحته وبلاغته لكن من غير طائل، وإنما العبرة بالمعاني.
ولذلك لا يمكن أن يُحكَم على عِلم العالم بالكثرة أو القلة نظرًا لكثرة كلامه؛ وإنما يُحكم عليه بما عنده من معرفة حقائق الأمور والعلم الثَّابت الرَّاسخ المبنيّ على الأدلة الصحيحة. هذا هو العلم؛ فهو نورٌ يقذفه الله عز وجل بالقلب يُورِثه بصيرةً أعظم من بصر العين؛ فإنَّ البصيرة هي عَيْن القلب، فيميّز بين الأمور، وإذا وقعت الفتن كانت له مَحِجَّة واضحة وطريقًا يسلكه لا يختلط عليه الحق بالباطل.
والشاطبي -رحمه الله تعالى- يقسِّم العلم من هذه الحيثيَّة إلى ثلاثة أقسام، نحن نتحدَّث عن العلم النافع، الشاطبي يقول:"العلم ثلاثة أقسام:"
-قسم هو من صُلب العلم، وهذا لا شكَّ أنه من أجَلِّ العلم؛ كالعلم بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك الحلال والحرام، وكذلك ما يتعلَّق بتهذيب الأخلاق وتزكية النُّفوس وما إلى ذلك، فهذا من صُلب العلم.