ويكفي أيها الإخوان أنَّ الله عز وجل ذمَّ أهل الكتاب بسبب قسوة قلوبهم، ونهانا أن نتشبَّه بهم في ذلك، فقال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] ، وبيَّن سبب هذه القسوة التي وقعت لهؤلاء وذلك بقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 12] ، فأخبر أن سبب قسوة هذه القلوب كان عقوبة لهم جزاءً وِفاقًا على نقض الميثاق وتحريف الكلم عن مواضعه، سواءً كان بتحريف الألفاظ أو كان بتحريف المعاني.
فالذي يغيّر ويبدّل ويُضلِّل الناس بالفُتيا ويصوِّر لهم الباطل حقًا، ويصور لهم الحق باطلًا، ويدلس عليهم ويكتم الحق الذي أوجب الله عز وجل عليه أن يشهد به ويكون أصمًا أبكمًا في حال تكون الأمة أحوج ما تكون إليه فيها، هذا عِلمه لم ينفعه، وعِلمه حُجَّة عليه إلا أن يتداركه الله عز وجل برحمة منه وتوبة.
ومثل هؤلاء كما يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: يذمُّون من رزقه الله عز وجل علمًا يخشع به قلبه، وتدمع به عينه، ولربما عَادُوه ولَمَزُوه وانتقصوه بأنه من القُصَّاص والوعَّاظ، وهم أهل الحقائق والمعارف والعلوم الراسخة؛ فالذي يرِقُّ ويزهد في الدنيا ويخشع وينكسِر عندهم هذا واعظ وليس بعالم، وما علموا أن قسوة القلب صفة من صفات بني إسرائيل التي أوجبت لهم