وكانوا يُوصون بذلك كما أوصى ابن مُحيريز رجلًا سأله في السفر أن يوصيه بوصية قبل أن يفارقه، فقال:"إن استطعت أن تَعِرف ولا تُعرَف، وتمشي ولا يُمشى إليك، وتسأل ولا تُسأل، فافعل".
وكانوا يكرهون الشُّهرة غاية الكراهة حتى قال إبراهيم بن أدهم:"ما صَدَق اللهَ عبدٌ أحبَّ الشُّهرة"، ويقول بِشر بن الحارث:"لا أعلم رجلًا أحبَّ أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتُضح"، نسأل الله العافية، ويقول:"لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس".
والعجيب أن الثوري -رحمه الله- وهو مَن هو بالعلم والحفظ والإمامة والورع كان يقول:"وجدتُ قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب بتُوتٍ وعناء، يعني عليهم أكسياء غليظة"، ما يعرفون سفيان الثوري، فإذا جاء معهم يظنونه رجلًا من الأعراب أو من البادية أو من عوَّام الناس، فيقول: قلبي يصلح هناك، أن أجلس معهم، لا تقدير ولا توقير ولا تقديم في المجالس، ولا توسيع في الطريق ولا خدمة ولا غير ذلك، أعيش كما يعشون، آكل كِسرة وأجلس على التراب دون أن يعرفني أحد، يقول:"قلبي يصلُح هناك"، لا يصلح في الأماكن التي إذا شاهدوه فيها قالوا: جاء سفيان، ووسّعوا له الطريق، وأكرموه وعظَّموه، هذه معانٍ نحتاج أن نتأملها أيها الإخوان ..