فهرس الكتاب
و لقد بقي المسلمون ثلاثة أعوام بدون خليفة أيام سقوط الخلافة العباسية حتى اقتحمت جيوش التتار بقيادة هولاكو عاصمة الخلافة بغداد.و لكن لم يقل أحد من العلماء أن هذه الحال تسقط إقامة أحكام الدّين و فرائضه,بل و لقد كان المسلمون أيام الحروب الصليبية و التتار كانوا يقاتلون و يقومون بشعائر الإسلام و أحكامه مع أنّ أمراء الحرب مختلفون و في كل بلد أمير أو عدة أمراء, ففي حلب الحمدانيون و في خراسان البويهيون و في الشام و مصر المماليك الأتراك والسلاجقة في الأناضول و الزيانيين في الجزائر و الأغالبة في تونس و المرابطين و الموحدين في المغرب,و غيرها من المماليك [1] .
فمن أين تسقط هذه الأمور و بأي سند تدحض هذه المقالات لعلمائنا من طرف هؤلاء. و غياب الإمام لا يسقط هذه الأمور و لا تنتظر حتى تقوم الخلافة و الولايات الكبرى و نستأنف تطبيق أحكام الإسلام,و لأن استئناف الخلافة و الولايات الكبرى لا تأتي إلاّ بنهوض الأمّة و جلّ المسلمين و القيام على هذه الأنظمة المرتدّة و خلعها ,و هذا لا يكون إلاّ بالجهاد في سبيل الله و بذل الطاقات و الاستنفاذ لجميع الجهود.قال الشيخ ميارة:"إذا خلا الوقت من الأمير و أجمع الناس رأيهم على بعض كبراء الوقت يمهد سبيلهم و يرد قويهم عن ضعيفهم فقام بذلك قدر الجهد و الطاقة فالظاهر أن القيام عليه لا يجوز و المعرض له يريد شق عصا الإسلام و تفريق جماعته.."اهـ [2] .
و قال أبو المعالي ـ رحمه الله ـ:"و قد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة خلوه عمن يستحق الإمامة..أمّا ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم و لكن يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر و مراجعة مرموق العصر كعقد الجمع و جرّ العساكر إلى الجهاد و استيفاء القصاص في الناس عند خلو الدهر" [3] .
(1) راجع كتب التاريخ الإسلامي فإنّ فيها ما يشفي العليل و يورد الظمآن.
(2) فتح العلي المالك/ لعليش (01/390) .
(3) غياث الأمم 385.