و العقل لمّا ثبت أنّه قاصر الإدراك في علمه ،و البرهان على ذلك أنّ التشريع البشري وضع أحكاما لا تجد فيها أصلا منتظما و قاعدة مطرّدة على الشّرع بل هي استحسانات لأمور تجد العقول بعد رجوعها إلى الشريعة أنها أمور منكرة و ترميها بالجهل و الضلال و الحمق ،مع أنهم وضعوا أشياءً قد وافقت شيئا ما في الشريعة أو أقرّتها و صحّحتها و لكن الإنسان مهما بلغ من ذكاء و حكمة لا يأتي الزمان إلا و قد عقل ما لم يكن عقل أو أدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك ،و الحاصل من هذا أنه لا ينبغي للعقل البشري أن يتقدّم بين يدي الشريعة الإلهية و يضاهيها.
إن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق مطيعهم و عاصيهم ،و لم يختص بها أحدا دون أحد و كذلك سائر الشرائع،حتى إن المر سلين بها - صلوات الله عليهم - داخلون تحت أحكامها و إذا كان كذلك فسائر الخلق تحت حكم الشريعة و هي حجّة عليهم و منار يهتدون به إلى الحق و العدل ،و إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها و العمل بها قولا واعتقادا وعملا .
"فالأقدمون جعلوا اتّباع الآباء في أصل الدين هو المرجع حتى ردّوا بذلك براهين الرسالة و حجة القرآن و دليل العقل فقالوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} الآية [1] ، حينها نُبّهوا على وجه الحجّة بقوله تعالى: { قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمَْ..} الآية.. [2] ."
لم يكن لهم جواب إلاّ الإنكار اعتمادا على اتّباع الآباء لما سواه" [3] .وكذلك الذين حكّموا الرجال على الشريعة و لم يحكّموا الشريعة على الرّجال و إنّما نزل الكتاب ليكون حكما على الخلق على الإطلاق و العموم."
(1) الزخرف 23 .
(2) الزّخرف 24.
(3) راجع الاعتصام للشاطبي رحمه الله .