فهرس الكتاب
إن مواقف الشجاعة والبطولة في الدفاع عن الإسلام والذود عن حياضه كثيرة جدا، وقد قامت الصحابيات في كثير من هذه المواقف بدور فعال في دفع أبنائهن دفعا إلى نصرة الإسلام، وأصيب منهم - في سبيل ذلك - من أصيب، وقتل منهم من قتل، دون أن يتسلل إلى نفوسهن اليأس، أو يبتلين بالعجز، والمواقف شاهدة على ذلك، ونختار منها ما يلي:
(1) من هؤلاء الصحابيات خنساء بنت عمرو بن الحارث، المشهورة بالخنساء، والتي شهدت حرب القادسية بقيادة سعد بن أبى
وقاص ومعها أبناؤها الأربعة الذين بقوا لها من الدنيا، بعد أن امتد بها العمر، وطال بها السن.
ويحفظ التاريخ ما قالته الخنساء لأبنائها قبل المعركة، ويقف إجلالا وإكبارا لتلك المرأة العظيمة التي ربت أولادها على العزة والكرامة: يا بني أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة.
وانطلق الأبناء الأربعة على هدى هذه الكلمات النيرات التي سمعوها من أمهم، وأبلوا في المعركة بلاء حسنا، حتى استشهدوا واحدا وراء الآَخر.
وحين علمت السيدة الجليلة باستشهاد أبنائها الأربعة لم تجزع ولم تلن، وإنما قالت كلمات لا تزال تتردد في مسامع الدنيا إلى يومنا هذا، وهي:"الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته" [1]
(1) أنظر (الإصابة في تمييز الصحابة) (جـ7 - ص 616) والاستيعاب (جـ4 - ص 1829، ص 3317) 0