فهرس الكتاب
2)والموقف الثاني للسيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مع ولدها عبد الله بن الزبير حين حاقت به المكاره، وحوصر بواسطة الحجاج بن يوسف داخل مكة، وتفرق عنه أكثر من كان معه - وقد كان بويع قبل ذلك بالخلافة وظل ينادى بأمير المؤمنين فترة من الزمن في كثير من البلدان الإسلامية- وحين رأى عبد الله بن الزبير هذا الذي حدث دخل على أمه وقال لها. يا أماه خذلني الناس حتى ولدىّ وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما ترين؟
قالت له الأم الصبورة ذات القلب الكبير. أنت - والله - يا بنى أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك غلمان بنى أمية يلعبون بها، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن.
وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبى بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدًا فسرت هذه الكلمات في نفس ولدها كالماء السلسبيل يتخلل جميع أجزاء النبات، فقام وقبل رأسها، واستودعا
الله سبحانه وتعالى، وقال لها - ليزداد يقينه من صبرها وثباتها: أخاف أن يمثلوا بجثتي بعد موتى؟ فنطق لسانها بكلمة صارت مثلًا يضرب في مواطن الشجاعة والثبات، وقالت: يا بني، إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها0 [1]
(1) انظر (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (جـ8 - ص 330) 0