فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 89

ب) إذا كانت الدعوة تستلزم التضحية، وتستوجب الصبر على تحمل المكاره، فإن الصحابيات - رضوان الله عليهن - أخذن بنصيب موفور من هذا الجانب، وقد سبقت الإشارة إلى أن أول شهيدة في الإسلام هي السيدة سمية بنت خياط، أم عمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعا، وقد قتلها أبو جهل حين جهرت بالحق في وجهه، واستمسكت بدينها رغم التعذيب الذي نالها وزوجها وولدها.

ولا ننسى في مجال التضحية تحمل الصحابيات للأذى والتعذيب النفسي والجسدي بالحصار الظالم في شعب أبي طالب لثلاث سنوات متوالية، وهجرة بعضهن إلى الحبشة مرتين ثم إلى المدينة، فرارا بدينهن من الفتن.

ولننظر معا في هذا الموقف الذي يجمع بين حب المرأة المسلمة لدعوة غيرها إلى الإسلام، وتحملها الأذى في سبيل الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:-"وقع في قلب أم شريك الإسلام فأسلمت وهي بمكة، وكانت تحت أبي العسكر الدوسي، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا، فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها وقالوا: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، لكنا سنردك إليهم."

قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، ثم تركوني ثلاثا لا يطعمونني، ولا يسقونني، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوثقوني في الشمس واستظلوا هم منها، وحبسوني عن الطعام والشراب، فبينما هم قد

نزلوا منزلا وأوثقوني في الشمس إذا أنا ببرد شيء على صدري، فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلا ثم نزع مني فرفع، ثم عاد فتناولته فشربت ثم رفع، ثم عاد فتناولته ثم رفع مرارا، ثم تركت فشربت حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابى، فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ قلت: لا والله، ولكنه كان من الأمر كذا وكذا- قالوا: لئن كنت صادقة لدينك خير من ديننا، فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك" [1] "

(1) صفة الصفوة (جـ2 - ص53) ابن الجوزي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت