فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 268

وذكر الغمراوي ( يرحمه الله ) واعجب معي من إعجاز الأسلوب والمعني معا في قوله تعالي: ( بغير عمد ترونها ) في كل من خلق السماء ورفعها . فلو قيل ( بغير عمد ) فحسب لكان ذلك نفيا مطلقا للعمد , مرئية وغير مرئية , والنفي المطلق يخالف الواقع الذي علم الله أنه سيهدي إليه عباده بعد نحو ألف وخمسين عاما من اختتام القرآن , فكأن من الإعجاز المزدوج أن يقيد الله نفي العمد في الخلق والرفع بقوله ( ترونها ) , والضمير المنصوب في ( ترونها ) يرجع أولا إلي أقرب مذكور وهو ( عمد ) فيكون المعني: بغير عمد مرئية , أي بعمد من شأنها وفطرتها ألا تري , والفعل المضارع في اللغة يشمل الحال والاستقبال أو هو حال مستمر , لأن القرآن مخاطب به الناس في كل عصر .

وإذا أعيد الضمير إلي السماء كان المعني: أن السماء ترونها مخلوقة مرفوعة بغير عمد , وتكون العمد مايعهده الناس في أبنية الأرض , ونفيها بهذا المعني عن السماء المرفوعة أيضا أمر عجيب لايقدر عليه إلا الله وكلا الوجهين مفهوم من التعبير القرآني طبق اللغة , وإن كان الأولي في اللغة هو الوجه الأول الذي يحوي الإعجاز العلمي , وإذن فالوجهان كلاهما مرادان بالتعبير الكريم إذ لامانع من أحدهما والزمخشري فهم المعنيين علي التخيير , وإن أعطي الأولوية للمعني المستفاد من جعل ( ترونها ) صفة للعمد , أي بغير عمد مرئية , يعني أن عمدها لاتري , وهي إمساكها بقدرته .

أما الفخر الرازي فلم يرصد إلا هذا المعني الثاني إذ يقول: إنه رفع السماء بغير عمد ترونها , أي لاعمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالي وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الحيز الحالي , وإنهم ( أي الناس ) لايرون ذلك التدبير ولايعرفون كيفية ذلك الإمساك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت