الصفحة 40 من 185

وهذا يتعلق بالفرق الذي بين الحديث والتاريخ فالحديث لا يطلب فيه قصة طويلة مربوطة بل شهادة كل شاهد على معرفة الواقعة اما التاريخ فهو يبقي على الحدث ولكن غرضه الاخبار عن الحكاية التاريخية بوصفها قصة مربوطة كاملة بدون اثقال الكلام بتكرار الاسانيد والبيانات وليس هذا من ابتكار ابن اسحاق فقد نسب هذا الاسناد الجمعي الى استاذه الزهري ومن قبله عروة بن الزبير [1] . لان الفاظ الجماعة قد تتحد وقد تعددت اشخاصهم وعلى تقدير ان لا يتحد اللفظ فقد يتحد المعنى حيث ذكر ابن سيد الناس [2] قوله (( روينا عن محمد بن سيرين قال: كنت اسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد ) )وعن واثلة بن الاسقع (ت 185هـ/801م) قال (( اذا حدثتكم على المعنى فحسبكم ) )ومن الامور المهمة الاخرى التي اخذت على ابن اسحاق هي انه كان يتصرف بنوع من الحرية وعدم التعقيد في جمع مادته في السيرة وقد رجح الدوري [3] هذا السبب قائلًا: انه (( لم يلتزم بوجهة مدرسة المدينة التاريخية في دراسته بل جمع مادته من جماعات متباينة تمثل مختلف نواحي الاهتمام بتاريخ ما قبل الاسلام ودور الرسالة فاخذ من الاسرائيليات ومن القصص العربي القديم ومن قصص القصاص والقصص الشعبي ومن الحديث واستعان بالآيات القرآنية وحتى بالشعر لغرض التوثيق. واضعف اقسام سيرة ابن اسحاق ذلك الذي يسبق المبعث ويظهر فيها اثر الاسرائيليات والقصص العربي. يأتي ابن اسحاق بقصص العرب عن شق وسطيح الكاهنين ويورد معلومات عن انتشار الوثنية عن كعب بن مالك القرظي وحين يتناول تاريخ اليمن نجد صدى القصص الشعبي اليماني واقاويل اهل الكتاب ففي اخباره عن مأرب ياخذ من القصص الشعبي الجنوبي مع اشارة الى القرآن الكريم ويأخذ عن وهب قصة انتشار النصرانية بنجران على يد فيميون وفي حديثه عن ذي القرنين يقول فحدثني من يسوق الاحاديث من الاعاجم فيما توارثوا من علمه ... الخ واسلوبه في غزو الحبشة لليمن يذكر باسلوب ايام العرب وينم عن اثر القصص وفي حديثه عن غزو ابرهة لمكة نجد القصة الشعبية جنب الاشارة القرآنية مع كثير من الشعر على طريقة الايام وفي حديثه عن الوثنية وعن الكعبة نجد القصص العربي والاسطورة الى جانب الاسرائيليات وهو يعتمد على اهل الكتاب اليهود خاصة في الاشارة الى قرب ظهور النبي(صلى الله عليه وسلم ) )).

(1) ابن اسحاق، المبتدأ والمبعث والمغازي: المقدمة: ك، ط.

(2) عيون الاثر: 1/ 20.

(3) دراسة: 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت