ولا تعارض بين هذين الحديثين لان الاول اباح لهم ان يحدثوا عما وقع لبني اسرائيل من الاعاجيب لما فيها من العبر والعظة وهذا بشرط ان يعملوا انه ليس مكذوبًا لان الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا يعقل ان يبيح لهم رواية المكذوب [1] . والحديث الثاني يراد منه التوقف فيما يحدث به اهل الكتاب مما يكون محتملًا للصدق والكذب لانه ربما كان صدقًا فيكذبونه او كذبًا فيصدقونه فيقعون بذلك في الحرج اما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه واما ما وافقه فنحن في حل من تصديقه [2] . والكثير من اتباع الديانتين اليهودية والنصرانية وجدوا ان القرآن الكريم نحى في ذكر قصصه عن الامم الغابرة منحى القصة دون التعرض الى التفاصيل وقد مال الناس بعد ذلك لاستقصاء الحوادث ومعرفة دقائقها ففسرها هؤلاء اليهود والنصارى الذين اسلموا بما في كتبهم الدينية وهكذا فسرت الآيات التي ذكر فيها اصحاب الكهف وقصة آدم (عليه السلام) والجنة والشجرة التي نهى الله تعالى آدم (عليه السلام) عن الاكل منها [3] . يقول ابن خلدون [4] (ت 808هـ/ 1405م) (( وقد جمع المتقدمون في ذلك - يعني التفسير النقلي - واوعوا الا ان كتبهم ومنقولاتهم تشمل على الغث والسمين والمقبول والمردود والسبب في ذلك ان العرب لم يكونوا اهل كتاب ولا علم وانما غلبت عليهم البداوة والامية واذا تشوقوا الى معرفة شيء مما تتشوق اليه النفوس البشرية في اسباب المكونات وبدء الخليقة واسرار الوجود فانما يسألون عنها اهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم اهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى واهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك الا ما تعرفه العامة من اهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين اخذوا بدين اليهود فلما اسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالاحكام الشرعية التى يحتاجون لها مثل اخبار بدء الخليقة وما يرجع الى الحدثان والملاحم. وامثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الاحبار [5]
(1) محمد الذهبي، المرجع السابق: 174.
(2) المرجع نفسه: 174 - 175.
(3) انور الرفاعي، الانسان العربي والحضارة، دار الفكر، دمشق، 1970م: 419.
(4) عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي، مقدمة ابن خلدون، دار العودة، بيروت، 1981م: 348.
(5) هو كعب الاحبار بن ماتع ويكنى بابى اسحاق (ت سنة 32هـ/ 652م) وهو من اليهود الذين اسملوا، ينظر، ابن سعد، المصدر السابق: 7/ 445؛ ابن قتيبة، المصدر السابق: 430.