ولعل الأصفهاني قد أراد أن يبين ما طفح به صدره من حقد على السلف ورجالاته بشتم معاوية - رضي الله عنه - ، فساق هذه الرواية المفتراة ليدير الشتم بلسان النعمان بن بشير ، وليظهِرَ صورة المجتمع الإسلامي مشوهة دميمة - كما هي في نفسه - وليست كما هي على حقيقتها .
ولسنا نزيد في هذه على ما قلناه في سابقتها من التعليق ، ولكن المؤسف حقًا ، أن يجعل بعض الباحثين أمثالَ هذه الأقاصيص الواهية ، روايات مُسَلَّمًا بها ، فيتخذها قاعدة يمضي منها إلى أحكام خاطئة جائرة في جيل من الرعيل الأول ، فيزعم: أن معاوية - رضي الله عنه - (( لم يستطع أن يتغلب على هذه( العصبية القرشية ) ضد الأوس والخزرج ، في الجاهلية ، وضد الأنصار ، في الإسلام )) [1] .
ولو كلَّف هذا ( الباحث ) نفسه السؤال عن أصل هذه الرواية ، لما صار فيما انتهى إليه .
وهذه رواية ثالثة في ( الأغاني ) ، أسوقها بسندها أيضًا ؛ لنقف على شيء مما امتلأت به نفس الأصفهاني من تِرَةٍ على السلف ، كدأبه في ثلبهم ، قال:
(( أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، قال: حدثنا عمر بن شبَّة ، قال: حدثنا الأصمعي ، قال: حدثنا شيخ قديم من أهل المدينة .
وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي ، قال: حدثنا عمر بن شبة ، قال: حدثنا أبو غسان عن أبي السائب المخزومي .
وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي ، عن حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، قال: ذُكِرَ لي عن جعفر بن محرز الدوسي قال:
دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير ، فقال: والله لقد أَخفَقتْ أذناي من الغناء ، فأسمعوني .
(1) د. يحيى الجبوري ، شعر النعمان بن بشير 29 .