عند ذلك قام النعمان بن بشير ، يستشفع لأهل المدينة ، ويشير على يزيد باللين والترفق ، قائلًا: (( اللهَ ، اللهَ يا أميرَ المؤمنين في عشيرتك ، وأنصار نَبِيِّكَ .. ) )، فسَكَنَ يزيدُ وهدأَ ، ثم قال: يا نعمان ؛ إن عدد الناس بالمدينة قومك ، فإنهم ما يمنعهم شيء عما يريدون ، وإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ أحد على خلافي .. ، ثم قال له: قُمْ ، فَسِرْ إِليهِم ، واكفُفْهُم عن الفتنة ، وانْهَهُم عن الشِّقَاق ، وأْمُرْهُم بلزوم الجماعة ، والسمع والطاعة .. )) [1] ، فسار النعمان بن بشير حتى دخل المدينة .
وقد امتدت سفارة النعمان بين يزيد وأهل الحجاز أكثر من مرة ؛ ينصح لهؤلاء ، ويَفْثَأُ حِدَّةَ يزيدَ ، ويُرَقِّقُهُ [2] .
وقد بلغ الجهد بأهل المدينة - آنذاك - مبلغًا ، جعلهم يحدثون أنفسهم بالخروج منها ، والرحيل عنها .
فعن يُخَنَّس مولى آل الزبير بن العوام أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة ، فأتته مولاة له تسلم عليه ، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن ؛ اشتد علينا الزمان .
فقال لها: اقعدي لكاع ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا ، أو شفيعًا يوم القيامة ) ) [3] .
(1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 3/307 ، ابن كثير ، البداية والنهاية 8/218 .
(2) الطبري 2/402 .
(3) رواه البخاري في التاريخ الكبير 7/190 ، ومسلم في الصحيح برقم 1377 .