إِنَّ الَّذِينَ ثَوَوا بِبَدْرٍ مِنْكُمُ ... يَومَ القَلِيبِ هُمُ وَقُودُ النَّارِ
ثانيًا: قد أشرتُ في مطلع هذا المبحث إلى صدق العلاقة بين معاوية والنعمان ، ومتانتها ، وأثبتُّ في رأس هذا البحث كلمةً للأصفهاني نفسه تؤكد متانة الصلة بين الرجلين ، وإخلاصهما ، حيث قال: (( كان النعمان كريمًا على معاوية ، رفيقًا عنده ... ) ) [1] . فهل هذا من كرم الرجل على أخيه ، ورِفْقِهِ به ؟؟ أو أن كلام الأصفهاني يَرُدُّ بعضه بعضًا .. ويُسقط آخره أوله ؟!!
ثالثًا: وهذه الأبيات التي ذكرها الأصفهاني ، ليست في أصل شعر النعمان الصَّحيحِ النِّسْبَةِ إليه [2] ، وإنما اخترعها ( الأصفهاني ) ، أو ساقها له رواته غير الثقات ، وعلى رأسهم شيخه الهيثم بن عدي !!
وشبيه بتلك الرواية عجيبة ثانية ، وغريبة أخرى أزجاها الأصفهاني ، ورواها هذه المرة عن شيخ شعوبي كان (( يبغض العرب ، وقد صنف في مثالبهم الكتب ... ) ) [3] ، هو أبو عُبَيْدة ؛ مَعْمَر بن المثنى ، حيث ساق الأصفهاني بسنده عنه ، قال: (( أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي ، قال: حدثنا أبو غسان داماذ ، قال: حدثنا أبو عبيدة ، قال: نظر معاوية إلى رجل في مجلسه ، فراقه حسنًا وشارة وجسمًا ، قال: فاستنطقه ، فوجده سديدًا ، فقال له: ممن أنت ؟ قال: ممن أنعم الله عليهم بالإسلام ، فاجعلني حيث شئتَ يا أمير المؤمنين ، قال: عليك بهذه الأزد ؛ الطويلةِ العريضةِ الكثير عددها ، التي لا تمنع من دخل فيهم ، ولا تبالي من خرج منهم .
فغضب النعمان بن بشير ، ووثب من بين يديه ، وقال: أما والله ، إِنَّك - ما علمتُ - لسيئ المجالسة لجليسك ، عاقٌّ بزورك ، قليل الرعاية لأهل الحرمة بك .
(1) الأغاني 14/115 .
(2) انظر: د. يحيى الجبوري ، شعر النعمان بن بشير 69 ، 133 ، 147 .
(3) انظر: ابن حجر ، تهذيب التهذيب 4/126 ، الأعلام 7/272 .