يَفِدُ إليَّ»، فالحجيج وَفْدُ الله تعالى، هُمْ له راغبون، وفي طلب ثوابه مسافرون، وإلى بيته الحرام سائرون، بيته الذي جعله مثابة للناس وأمنا وهدى ورحمة للعالمين، كما قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأمْنًا} [البقرة:125] ، و {وَأمْنًا} أي: مَأمَنًا يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم، فالأمن في اللغة تعني السلامة من الخوف، ومن جميل أشعار المسلمين:
مَنْ يُتْحِفُ البيت العتيق وزمزمًا *** والوَفْدُ وَفْدُ الله فيه يَنْزِلُ
مُتَسَابِقِينَ إلى مَثَاَبِة رَحْمَةٍ *** مِنْ كُلِّ مَا حَدْبٍ إليه تَنْسِلُ
هُيَّمًا كأفْوَاجِ القِطَا [11] قَدْ سَاقَهَا *** ظَمَأٌ شَدِيدٌ والمطاف المنهل
مِنْ كُلٍّ مَرْفُوعُ الأكُفِّ شراعة *** والقلب يخفق والمدامع تَهْمِلُ
النبي صلى الله عليه وسلم يُبَيِّنُ أن سرقة الحَاج إثم وعار:
عَنْ نَافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [رواه البخاري] .
قال ابن حجر في فتح الباري:"إنَّ بَنِي غِفَار كَانُوا يَسْرِقُونَ الْحَاجّ فِي الْجَاهِلِيَّة فَدَعَا لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أنْ أسْلَمُوا لِيَمْحِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَار". أ.هـ
فرغم أنّ «الإسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» [12] من الذنوب والآثام مهما كبرت وعظمت، ويَجُبُّ: أي يُزِيِلَ عينه ويمحو أثره كأنّه لم يكن، إلاّ أنّ استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لقبيلة غِفَارٍ بعد إسلامها فيه إشارة واضحة على عِظَمِ الذنب وفداحة الإثم الذي آتوه، وهو سرقة الحَاجّ الذي آتى بيت الله الآمن، وبيان أن ذلك إثم وعار يلحق فاعله.