إن الحب جوهرة نفسية ثمينة، لا تستعصي الإفادةُ منها إلى على العاجزين منها، والعجز لا يأتي من بُعدِها، ولا من غيابها، أو اشتباهها بغيرها مما قد يشبهها، هذه كلها وغيرها، ليس لها من سبيل إلى تلكم الجوهرة النَّفسية الثمينة، فتُعْجِزُ الراغِبَ فيها عنها، فالطريق إليها ميسرة سهلة لكل راغب فيها، وهي قريبة ليست بالبعيدة، إنها جزء من الفطرة الكبيرة الكامنة في نفس الإنسان، وليس في دنيا الناس شيء ينابذ الفطرة، إلا إن كانت الفطرة مخدوشة بفعل فاعل، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» والفطرة كلها تلتقي وتجتمع في صفاء مؤتلف، وفي نقاء لا يُختلف على أُمِّها وجماعها كلها وهي فطرة الدين، فتأخذ فطرة الحب من أمها -وكأنما هي مرضعتها- قدرًا يحفظ عليها سلامتها- ليظل عطاؤها كاسلًا غير منقوص، موصولًا غير مقطوع، لا يَفسُدُ على الأيام، ولا يُسْأمُ مع الأعوام.
والحب قوة محكمة البناء، ليس في وسع أي إنسان أن يقاوِمِهَا مهما بلغ من قوة، أما من كان سويَّ الفطرة، فقوته بفطرته تقوده إلى الخضوع إلى الحب، بما فيه من شوق راغب، ورغبٍ شائق.
والحب لا يستعصي على المحب إن أراده بصدق، ولا يتأبَّى عليه إن سعى إليه برغب، ولا يقتات من صديد الأعراض، حين يكون المحب باذلًا من نفسه له، أما من أراد الحب بظاهر لحن القول، ورغب عنه في باطنه، ويخادع الناس في علانيته، فذا حبٌّ لا يكاد يخطو إلى الأمام إلا ريثما يعود حسيرًا، ولا يُقبل على من يريده وهو يجهلهُ إلا ريثما تبدو سوأتُه، ولا يعطي من يريد الأخذ منه، وهو يفضي إلى ضُرٍّ يبلغه بحب له.