وإذا رأيت الناس يدبرون عن الحب، وأسبابه، ودواعيه، فاعلم أنهم قد صاروا إلى أرض مُسْبعةٍ يتيه فيها الأمنُ بعد فِراره منهم، ويطير من قلوبهم الرجاءُ فيما عند ربهم، بعد أن قد كان أولاهم منه نعمة وفضلا -وبسط رداءَه السابغ عليهم، فأصابوا منه برورا، ما كان ليكون إلا من حب أنالهم من ذاته، وأنالوهم من ذواتهم.
وهم لا يدبرون عن الحب إلا من فساد أرخى ذيوله عليهم، فأعجزَهُم أن يُبْصروا طرفًا منه، إذ غَشَّي أبصارهم، أو أن يسمعوا حسيسًا له، وقد أوقروا آذانهم بطنين البغضاء، أو أن يدركوا بعض آخره، وقد أثقل أرجلهم بقيود الياس أن يكونوا من أهله، فهو عطوف شفيق بمن له به ولو أدنى تعلق، فلا يرضيه قطُّ أن يتسلل أناسٌ في خفاء، ليحولوا بينه وبين أولئك الذين نشأ بينه وبينهم إلفٌ يحفل بالرضا والصفاء، والنقاء، إلا ما يعروه من بعض فتور يدركه، مما يكون من أهله، فهو لا يرضيه أن يطوف به أناس في ليلٍ أو نهارٍ، همُّهم أن يَقيئُوا من أفواههم ما كان الأولى أن يُخرجوه من أستائهم، لكنها ضاقت حتى لم تعد قادرة على إخراج شيء منها، فباتت حزينةٌ كئيبةٌ أن كرهت الحب، أو كَرهَها الحبُّ، فأصابها ما أصابها، فكانت بهم وبها عبرةٌ صارمةٌ، أوجَعَتهم، وقامت فيهم على عِدّةٍ منهم، أن يغيِّروا ما في أنفسهم، فَتُغَيِّرَ هي ما عندها، وتلك هي السُنَّة التي أجراها الله قانونًا، لا يخالف عن الفطرة السليمة، التي أودعها الله سبحانه خلائقه كلها {إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .