إنه الحب الكبير الذي ما وسعه إلا ذلك القلب الكبير، العيبة التي حفظت الإسلام بكل عقائده، وأحكامه، وأخلاقه وفي الحياة وبعد الموت، لتقوم شاهدًا في الناس وفي جميع الأعصار والأمصار، إن الحب هو رسالة الأنبياء جميعًا، وإن هذا الحب لا يضمر من اصطفاه الله له، إلا رغبة في بذل المعروف للناس كافة، من غير تفريق بين من يواليه بإحسانه، وبين ما ينابذه ببغضائه، أما الموالي بالإحسان فلولائه بإحسان، وأما المنبابذ بالبغضاء، فلما يكون من عطف وشفقة يبذل بهما له ما يستبين به سبيل الرشاد، فينأى الموالي عن الشوك المدمي، وخرط القتاد، ولو كان لنا نحن البشر أن نختار اسمًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لاخترنا له ... الحب اسمًا، نشتقه، أو نجمع حروفه من قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} ، ومن قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} .
والحب كالمطر يأتي على انتظار أو على غير انتظار، يسقي الأرض وينبت الربيع ويَروي الظمأ، ويملأُ النفوس فرحًا ورجاءً، ويذهب باليأس القابض على صدور الجياع المحرومين، ويهتك الضباب الذي يغمر الوديان والجبال، ويمحض الآفاق من بعد والحياة رَوْحًا وبهجةً وسكينةً، وتطوف بين ظهراني الناس، تضع عنهم الآصار الثقال، وتزحزح عن صدورهم الكروب الشداد، وتمسح عن وجوههم غبرة الضراء الثقيلة.
وهكذا الحب، الحب الذي لا يُساعي بالبغضاء،
ولا يُشاب بمزيج الكبر الصاغر وأنينه، ولا يُراد بانتقاص لذته التي جبل عليها بشيء يصرفها عنه فإنه، يصوغ النفوس صياغة تتقرَّاها الحواسُّ بجُمعها، وتطرب الآذان لها بصوتها، وتمتد لها العيون بشعاع إبصارها، وتجتمع كلها لتصنع -على تقدير دقيق من تفكير الحب وقصده وإرادته- صورة لا تقدر على مثلها الإرادات مجتمعة، إن مالت عنها إرادة الحب، إذ هي وحدها التي لا تنازع في أخذ وإعطاء.