وإذا ما رؤُي للحب مثل هذا، فإنما يكون بمنازعته إياه شيئًا من أضداده، التي لا ترجو له إلا ما يسرع إليه بالتشوه والعجز، والقعود عن القيام بالأمر الذي وكل إليه بالفطرة التي فطره الله عليها، ولولا أن منَّ الله سبحانه على الحب بما منَّ به عليه من معرفة مبصرة بالأشياء البعيدة المنال عن غيره، أن تصيبه أدواءُ السوء الباهظة، لما بقي للحب مكان على صعيد النفس، حتى لو كان لها مع الحب أمدٌ بعيد، ذلكم ان الحب لا يكون -بما فُطر عليه من رغبة في إصابة الخير حيثما كان، وأنى كان، ومتى كان- إلا مرجوا ممن له به تعلق، لا تفتأ أن تتداعى إليه الباقيات الصالحات، والراغبون فيها إذ أنهم قد عرفوا فما كانوا يبغون عنه حولًا، لذا فإن حقًا عليهم أن يُقدّموا لمن لم يعرفوا الكأس التي شربوا منها أو سُقوا منها الحب، ليعلموهم أن الحب -إذا ما ذاقوه أو شربوا من كأسه ولو قليلًا- لا يكون منهم إلا التعلق الشديد، فيكون لهم فضل كبير أنالوهموه، فلا يكون من صلاح الإيمان لهم وتمامه وحسنه، إلا بما أحبوا لإخوانهم أولئك، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .