الصفحة 15 من 20

والحب هو العنصر القلبي الكبير، الذي لا تصلح القلوب إلا عليه، ولا تَنْفُس الأنفسُ إلا به، ولا تسمو العقول إلا منه، وعناصر القلب كلها، وأعمالها جميعها، وشذراته صغيرها وكبيرها لا تأتلف إلا عليه، ولا تزكو إلا به، ولا تشتد ولا تقوى إلا فيه لذا: فإن حقًا على من عرف فضل هذا العنصر القلبي، أن لا يدع سببًا من الأسباب التي تنتهي إليه، وهي عنده معلومة مدركة لا يمتد إليها البصر على بعد، ولا يطيل الفكر عندها على استقصاءٍ وبحث، فقد عُرف هذا العنصر وعُرف فضله، وذاق من حلاوته، فمعرفة تلك الأسباب التي تُبقي عليه، وتشد من أزره، أيسر وأسهل عليه، وانتقاص هذا العنصر حقه، أيَّ شيء من حقه، يُحدث ولا ريب خللًا ظاهرًا فيه، ثم هو مُحدثٌ من بعد خللًا من كل العناصر القلبية والنفسية التي تفزع إليه في الشدة، ويكون لها حظ كبير من قوته في الرخاء، فرحًا، وراحةً، وامتلاء، وليس أضرَّ على الحب من أن يدعى أو أن يعتدى عليه بالتبعيض أو أن يتخذ ذريعة للاستحواذ على المنافع الدنيوية، وهذا صار في الناس كثيرًا، حتى غدا الحب مسخًا ممقوتًا، لا يُرى إلا مهزولًا شاحبًا، ولا يُسمع له إلا نشيج مرير وتأوه غائر، أو لكأنما حيل بينه وبين الناس بظلام ملبَّد كالح، يمشون إليه زرافات ووحدانا، وكلما دنوا منه أوغل في البعد عنهم، فما أصابوا إلا جهدًا ضائعًا، وكلالًا ضنكًا يروحون فيه ويغدون، فأين يكون البغض من مثل هذا الحب، إن مثل هذا الحب لهو أشد بغضًا من البغض، ومن كان يرجو من مثل هذا الحب شيئًا يمرأ، فإن قراءته أمرأ في البغض وأطيب مذاقًا، فليدع الإنسان حينئذ الحبل على غاربه لنفسه، تختار بغضًا يحب مثله، أو حبًا يبغض مثله، فهما متشابهان، بل متماثلان فَقَدْ فَقَدَ الحب لذته، وذهبت من البغض صَرْمَتَهُ، فخير لهذا الإنسان حينئذ أن لا يحرص على ضنك الكلال، بضائع الجهد، ولكن هيهات هيهات أن يعقل الحب بصفاء لونه وطيب ريحه، واستواء سوقه وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت