الصفحة 16 من 20

ضرمت نار البغضاء في صدور الصفوة من أهل العلم والدعاة، فكانت فيهم، كأنها النار التي ألقي فيها نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام؟ يتقلبون فيها والأهواء أرديتهم، ويصطرخون في شوبها ومن فوقهم ومن تحتهم أوزارهم، أثداؤهم وألسنتهم ممطوطة مختلجة بالجهل، ليس يفرحهم إلا خلافهم، فأين هو عاقلهم من جاهلهم من سفيههم، لقد صاروا رمادًا سافيًا من نار بغضائهم. أما الحب فقد تُودع منهم وتودعوا منه وصار حلمًا صفيقًا مزعجًا لهم في نومهم ويقظتهم. ألا ساء ما يحكمون!! فمتى يكون منهم أوبة إلى العلم الذي أحسن إليهم يومًا، فكرُّوا عليه بالنسيان تارة، وبالأعراض عنه تارة، وبالهجر تارة، وبالتنكر لأهله والمحسنين به تارة، إلى غير ذلك مما كان ينبغي أن يتحسس خفيُّه وعلنيُّه، من قبل أن يصير المُعلن منه خفيًا، ومن قبل أن يصبح الخفيُّ غورًا سحيقًا يستحيل تحسسه.

والحب يا صاحبي ليس سُنَّةً محدثة، ولا حكمًا منقطعًا، ولا عملًا مردودًا، ولا أصلًا زائلًا، إنه شريعة قائمة في الأمة إلى قيام الساعة من أخذ بها رشد، ومن وقف عند بابها سعد، ومن جعلها لنفسه ملاذًا ودعا الناس إليها استقام على الأمر.

إن الحب من أرشد العمل.

وأفضل ما تجمع الإرادة عليه.

وأحسن ما تقف عند الرواحل.

من أصاب منه آب إلى ربه بالطاعة والرضا.

ومن أفضل به على نفسه رجع به إلى هناءة القلب وطمأنينة النفس.

ومن جمعه إلى نعمة الرضا أوسع به على المحرومين.

إن الحب زينة الحلماء العقلاء، وصنعة الحكماء الأتقياء، وسند الضعفاء الأخفياء.

القنوط لا يعرف الطريق إلى قلوب المحبين.

والحزن لا يجد له مكانًا في ركائب المحبين.

ولا مكان لشوكة واحدة في باقة نسفتها أيدي المحبين.

إن الحب كُناسة قلوب الأتقياء.

ورماد حرقة نفوس الأصفياء.

وطيب عيون الخُشّع السُّجّد الرُّكَّع في ثلث الليل الآخر.

فلا تدع يا صاحبي لهذه الكُناسة فَرَقًا، فأوكِ عليها حفظك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت