وإذا كان الحب شيئًا من خلق الله سبحانه، وهو الذي أودعه أمرًا يعسر على الخلائق كلها -أنيسها ووحشيِّها، جامدِها ومتحرِّكها، قويِّها وضعيفها، عاقلها وغير العاقل منها- أن تعيش بغيره، وأن يكون ائتلاف بينها -المتماثل والمتشابه، والمتنافر والمختلف، المتقارب والمتباعد- إلا به، وهو الوشيجة الخفية، التي تجمع، وانقطاعُها، أو ضعفُها، أو ذهابُها، يفرق ويبدِّد ويباعد: إنه السر العجيب الذي أقدره الله على مثل ذلك التأليف والجمع، وبدونه لا يكون شيء منه، فهل يكون حسنًا ممن وهبهم الله العقل الذي يقدرهم على تلقي الخطاب الشرعي، وفهم فحواه، ليحملوه تكليفًا، على مقتضى الطاعة والإخبات، والإذعان المطلق، والتسليم الخالص -أن يقرءوا قول الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فإذا ما قرأ مثل هذه الآية علم أن ما كان من هذا التأليف بين قلوب الصحابة رضوان الله عليهم ما كان منه من شيء أن يكون إلا بالحب، وهو النعمة التي شغفت بها قلوبهم، واستضاءت بها صدورهم، وارتحلت إليها إراداتهم، فالتقت جميعها على أمر قد قدر لها، واستُجيشت منها وجداناتهم، وأنالت منها من جاء من بعدهم من القرون القارة في غيب المستقبل، حتى لكأنها حاضرة فيهم، تراهم، وتسمعهم، وتلقف ما ترى وما تسمع على رجاء أن يكون منها لمن بعدها مثل الذي كان لها من أولئك الأعيان الأخيار من صحابة محمدصلى الله عليه وسلم الأطهار، حبًَّا لا يعرف للآخرين إلا بمثل ما كانوا له وعليه ومنه وإليه، من إيمان وإسلام وإحسان.