الصفحة 5 من 20

ثم إن كل آية في القرآن إذا استحضرها المرءُ المؤمنُ، استحضر كل ما يماثلها بلفظه وبمعناه من كلام الله سبحانه، لا يفلت منه إلا بنسيان، أو ذهابٍ بجهل أو بغفلةٍ، وسواءٌ أكان هذا الاستحضار برؤية عينٍ، أم بسماع أذن، أم بتخيُّل ذهنٍ، فهو على سواء الأمر من إدراك معنى قوله سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

وليس من شكٍّ، في أن إصابة النعمة لا تكون إلا بمثل ما أصابها السابقون المُخِفُّون، أما المثقلون بأرزاء نفوسهم إلى الأرض، الراغبون عن الحب، الضالعون في البغض، الذاهبون في سواد النفور، فأولئك كان سعيهم كؤودًا كدودًا قعودًا، لا يمسهم إلا من زيادةٍ مما هم فيه، ولا يمس من كان على رجاء من رجاء السابقين المُخَفِّين، إلا أذى، لا يضرهم، ولا يكف أيديهم عن برور خير، يعود نافعًا ناضرًا على الناس، فمن كان على صفاء نفس، ورقَّةِ عاطفةٍ، وشوقٍ شائب بشكره نعمة، فهو على ذكر لمثل قوله عليه الصلاة والسلام: «خير الناس أنفعهم للناس» وتلكم الخيريَّة لا تكون إلا من مثل من كان على صفاءٍ، ورقَّة، وشوقٍ، لا يتكلف شيئًا منها، لأن التكلف لا يصلح ميزانًا عدلًا لأحوال النفوس، إلا ريثما تصادِفُ موقِعَها المتكلَّف، فتزول عنه سريعًا، والحب السليم يأبى على صاحبه إلا أن يكون هو الموطِنَ السليم الأمين عليه أن يثلم أو يخرق أو يكسر، حتى يوافي بسلامته وتمام خلقه، المفطور عليه، القلوب التي تكون أهلًا لحلوله منها، بما أعدت له من حال لا تنكر إلا حين تذهب عنها تلك الحال -إذ هو الأهل لها- وذهابها عنها لا يكون إلا بسقوط التكليف الشرعي عن أصحابها، أو أنها من بعدهم ترقد معهم غياهب القبور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت