الصفحة 6 من 20

وأمثل الحب وأحسنه ما يكون منسوجًا من طاعة الله ورسوله، يُلقي المرءُ نفسه به شاخصًا على باب الرضا، يفتح له على مصراعيه، بالهمسة الرضية، أو البسمة الحَفية، أو الهجسة القلبية الخفية، يتخير لنفسه حين يدخل منه أيّ مكان يحب، وايّ طيب يصيبن وأيّ ثوب يرتدي، لا ينبغي عنها حولًا، وينظر بعينيه في كل جهة، ويُصعِّد بصره في كل أفق، ويدور بفكره في كل جزء، فلا يدرك بكل ذلك إلا ما يدرك الصبُّ الموله من وجه من يحب بعد طول غياب، لفعه ضبابُ الأحلام في يقظة القلق ونوم المضطرب، فلا القلقُ بذاهبٍ منه، ولا الاضطرابُ بمدبر عنه، حتى إذا التقى محبوه فزع إليه قناطير قلقه، وتقطع اضطرابه، وبات ليلًا قرير النفس، هانىء القلب، يُمَنيّ نفسه أن تكون إلى جانب قلبه حين يلتقي محبوبه، فيكون فرحًا عارمًا لا يُصدَّع عنه بخمرة ولا يُنزَف بسورةٍ.

وكان ليلًا طويلًا أسبغ عليه رداءه، ومزَّقت ظلمته فتسلل النورُ إليه فرأى في سواد الليل الطويل أمانيَّه ترقصُ في جلوة ضوء النَّهار فكان الليل بعضًا من النهار، تقاربًا وتواصفًا وتداخلًا، فكأنما الليلُ هو النهار، وكأنّما النهارُ قد أخفى تحت جناحه الليل، فنعمَ وأنعَمَ، وأخذ ووهَب، ودنا وتدلى، وأوحى إلى العاشقين الوالهين ما أوحى، فتعانقتْ منهم القلوب، وتهاتفتْ باسم ربها الأبصار، وتناجت أنفاسُها في دجى الأسحار، وعزفت أنغامَها العِذابَ الساحرة رهيفاتُ الأوتار، وزاد من لذة صوتها ورنين أنغامها خفيفُ أوراق الأشجار، واجتمعت على صعيد القلوب، الرقائق المسبِّحة بخالق الليل والنهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت