واعلم يا صاحبي، أنه ليس من حق من أسلم قلبه الله في طواعية، وأناخ راحلته عند بابه في غادية وسارية، أن يحب كيف يشاءُ، ومتى يشاءُ، ومن يشاءُ، إذ الحب -وهو شيء مما خلق الله سبحانه- نوع عبادةٍ، يتقرب بها المُحِبُّ إلى الله، وبما أن الحب ومن يحب من خلق الله، فليس يَجْملُ بالمُحِبِّ أن يُحبَّ إلا على وفاق ما يحب الله ويرضى، وحبُّ الله لا ينفكُّ عن ذاته، لذا، فإن حقًا على المحب ممَّن خلق سبحانه -وهو شيء يكون في صاحبه- أن يستحضر رضى الله في حبه، وفي بغضه- من غير أن يكون لنفسه سلطانٌ يدنيه إلى أحدهما في غير رضى الله سبحانه.
ونحن في زمان أضحى الحب فيه سلعة تُباعُ وتشرى، وليت الثمن الذي يدفعه الشاري للبائع يزيد من قيمتها إذا قلّت في السوق كغيرها من السلع، أي حين يصير الطلبُ أكثرَ من العَرْض، بل لقد أقدم على سَوْمِها الفقيرُ المُعْدَمُ، والشراة والبائعون صاروا فيها من الزاهدين، أما البائع فقد سَئمها لقلة من يسومها أو يطلبها، وأما الشاري فقد اغتنى عنها بأحسن منها عنده، لقد صار البغض هو الأحب والأقرب إليه، وبعض آخر لم ير من فرق عنده بين الحب وبين البغض، فيحل هذا مكان هذا، وذاك مكان ذاك، فالأحسنُ الأحبُّ إليه ما يجرُّ إليه نفعًا، أو يُصلِحُ له شأنًا، في غير تحرُّر من شبهةٍ ولا تعفُّفٍ عن حرام.