الصفحة 8 من 20

وكان العلم يأتي الناس غداة، فلا يأتي وقت الأصيل إلا وقد ذاع وانتشر، ومشى فيهم وظهر، يتنافسون في رغبة في العمل به كما يتنافس أهل الدنيا دنياهم، فما كان العلم فيهم إلا محبًا، ومحبوبًا، وساعيًا إليهم، وهم يَسْعَوْن سراعًا إليه، يزيد بالعمل، ويزيد العمل به، فكان كل واحد منها يشاطر الآخر حُسْنَه، ويركِضَه إليه، ليبقي فيه على وصله من غير ملالةٍ ولا تضجُّر، فيحرز العلم بأهله المحبية، ما يحرز أهله المحبوه منه، يقبل الواحد منهم بالمسألة على العلم يتزود منه، فلا يرضى منه ليعطيه إلا أن يرى منه حرصًا على التي عمل بها أن تظل حاضرة فيه، لِيَكبُرَ وتعظمَ عنده بغيرها، تأتيه في بكور وعشي، وفي ليل ونهار، وفي عافية وسقم، وفي سخط ورضى، فلكأنما الحب -وهو كذلك- وليدُ العلم، ولكأنما العلم صنيعهُ الحب، فلا يجد الحب مأوى له يأمنُ فيه على نفسه إلا في ثوب العلم، ولا يجد العلم مكانًا يسرد فيه فضائله الجالِبَها للناس إلا بالحب المبذول فيهم، فأين يقف العلم اليوم من أهله الأدعياء؟ وأين يكون الحب فيهم، وقد صار العلم إلى بَوار ودُوار؟ فتنافرا، وتساورا، وتحاورا، وأدار كلٍّ منهما ظهره للآخر، مشحونًا للآخر، مشحونًا بالبغضاء المرتحلة إليه بصديدها القديم الآسن، أوتيها بشعار التربص المتسربل رداءَ الكبر المحرَّق، على غير رضى إلا من الشيطان عدو المؤمن الأول، بشعاره المرقوم على قلبه وجبينه: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} و {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت