وصلناه على الإسراع قبل أن يبصرنا بعض أعوان المستر كلوب، ملك البادية المسمى (أبو حنيك) ؛ لأن رصاصه كانت قد أصابت حنكه فتركت فيه أثرًا، وسألناه، هل يعرف الطريق أم يخبط بنا خبط أعشى، فعجب من سؤالنا وأكد لنا أنه يعرف البلاد كلها شبرًا شبرًا، وأنه سلك هذه الطرق بعدد شعر رأسه، فأطمأننا وسرنا معه، وكانت الشمس قد طلعت، وانقضت أول ليلة من ليالي الرحلة.
فاطمأننا وسرنا معه، فصعد بنا جبلًا وعرًا فيه أحجار وحفر، فسرنا فيه ساعة كاملة وهو لا يزداد إلا وعورة, فقلنا له: ويحك يا هذا، إلى أين تمشي بنا؟ قال: إن علينا أن نتجاوز هذه الوعرة، كي نبلغ قريات الملح من غير طريق الأزرق فقلت له، ويحك هذا والله البلاء الأزرق والموت الأحمر. وإنه ليوشك إذا أوغلنا في هذه الوعور ألا نخرج منها، فعد بنا ولو إلى الأزرق، فماذا في الأزرق إلا الجزاء النقدي؟.
واختلفت الآراء وتجادل القوم، ثم اتفقوا على العودة، فعاد بنا الدليل من حيث جاء، حتى إذا هبطنا الجبل سار بنا في طريق معبد فسرنا فيها، ثم سرنا وهي لا تنتهي حتى كاد النهار يزول، ثم وجدنا مركزًا من مراكز البترول فيه ضابط إنكليزي، فسألناه: إلى أين تؤدي هذه الطريق؟ قال: إلى العراق، وقد اقتربتم من الحدود.
فوثب أصحابنا على الدليل يوسعونه سبًا وشتمًا على أن طوح بهم حتى كاد يهلكهم، وهو صابر ساكت لا ينطق بحرف، فتركه القوم وائتمروا بينهم فقال قائل منهم: إني لأعرف طريقًا في الحرة يصل بنا إلى القريات، وقد جزته فوجدته سهلا.