فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 32

فقالوا له: سر بنا إليه، فمال بهم ذات اليمين ، ثم دار دورة فإذا نحن في حرة من أصعب الحرار واسعة ممتدة الجوانب ملتوية مفروشة بحجارة سوداء لماعة، كأنما هي صب عليها الزيت، حادة الجوانب كأنها السكاكين، فلما بلغنا وسط الحرة رأينا الجادة متروكة مهملة قد تخربت وغطتها الحجارة، فكنا ننزل من السيارة فنزيح الأحجار من طريقها لنمشي، وكنا إذا بلغنا هضبة لم تقو السيارة على تجاوزها نزلنا فربطنا السيارات بالحبال فجررناها بأكتافنا واحدة واحدة كما تجر الدابة الحرون، واستمر بنا ذلك إلى الغروب، وامتدت بنا هذه الطريق تسعين كيلًا رأينا فيها الموت ما تعبنا، ولم نقف إلا ساعة أكلنا فيها وصلينا، فلما أن غابت الشمس يسر الله لنا الخروج من هذه الحرة، فلما خرجنا منها إذا نحن حيال قصر الأزرق ليس بيننا وبينه إلا أربعة أكيال أو أقل منها، وكان إلى يسارنا أدغال وعرة فيها نبت الصحراء، فلم نجد بدًا من دخولها، فدخلناها مكرهين تقوم بنا السيارة وتقعد وتميل وتعتدل حتى أظلم الليل، وبلغنا قاعًا مستويًا فوقفنا وأنخنا للمبيت؛ وكنا حين أنهينا إلى الأزرق بعد هذا الأذى كله، كالذي (فر من الموت وفي الموت وقع) !

تركنا القراء في (المخفر السعودي) على الحدود، وأشهد أني لم أذق طعم الأنس والاطمئنان منذ فارقت دمشق إلا في هذا المخفر، ومهما نسيت من المشاهد، وأضعت من الذكريات، فلن أنسى تلك الساعة، ولن تضيع من نفسي ذكراها، وإنني لأتخيلها الآن، وقد مر على تلك الزيارة خمس سنين، ولم يبق في يدي منها إلا ما علق بذهني..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت