ولبثنا فيها إلى موهن من الليل ثم خرجنا يصحبنا دليل من أهلها ليسير بنا إلى (قريات الملح) القرية التابعة لابن سعود من غير أن نمر على المخفر الإنكليزي في (الأزرق) ؛ لأننا لم نستأذن من القنصل الإنكليزي لنمر على بلد من بلادنا، وكان اسم الدليل الحاج نمر، وقد زعموه خبيرًا بالطرقات، عارفًا بالأرض، خريتًا حاذقًا، فتوكلنا على الله، ثم على هذا الديل الحاذق!.
سرنا إلى الجنوب، نخبط في ظلام الليل، لا نتبع جادة مسلوكة، ولا طريقًا واضحًا، يقودنا الحاج نمر، وياليت اسمه الحاج غراب، فقد أضلنا، كما (قد ضل من كانت الغربان تهديه) ، حتى بلغنا قرية كبيرة اسمها (أم الجمال) فيها بنيان كثير، وأزقة وطرقات، وفيها برج عال قديم، ولكنها مهجورة منذ قرون، ليس فيها ديار ولا نافخ نار، وهي موحشة في راد الضحى فكيف بها في الليلة الظلماء؟
فما كان من صاحبنا (الحاج غراب) إلا أن دير به وغثت نفسه وجعل من الدوار والغثيان يقيء وفقد رشده، فصبرنا عليه حتى أفاق فسألنا عن أمره، فإذا هو لم يركب في عمره سيارة قط ولذلك دار رأسه، فعالجناه حتى برئ، فلما برئ رأى الطريق مختلطًا عليه، فأمرنا بالوقوف في هذه البليدة الموحشة التي لا يسكنها إلا الجن..
وذهب في سيارة يكشف لنا الطريق، فانتظرناه إلى الفجر لم يرجع، وكانت ليلة ما أذكر أني رأيت مثلها بردًا، ونحن في العراء فأحسست والله كأن عظامي ترتجف من البرد، وبلغ منا النعاس وما نطيق أن ننام، وأين وكيف ننام؟
فلما طلع النهار، وتعارفت الوجوه، رأينا الحاج غراب على بعد خمسين مترًا منا، وإذا المحترم ينتظر أن نأتي إليه..