وهيجتني من أذرعات وما أرى
بنجد على ذي حاجة مدنف بعدا
وذكرها أمرؤ القيس، وعد ياقوت جماعة من العلماء خرجوا منها، وليس فيها الآن من العلماء أحد (فيما نعلم) يذكر.
وعالم حوران وفقيها اليوم الشيخ التقي الصالح الشيخ الطيبي الدمشقي وهو فوق التسعين، وهو بقية السلف الصالح - وفارقنا أذرعات نسير شرقًا إلى بصرى، بعدما هتفنا بآل المقداد أعيان وجوهها ننبئهم بوصولنا، فلم نبلغ نصف الطريق إلى بصرى حتى رأينا أضواء كثيرة ومصابيح تجيء وتروح، فعجبنا أن يكون في البرية مثلها، ودنونا منها فإذا هي أضواء المستقبلين الكرام، هجروا مضاجعهم وأقبلوا يتلقوننا من نصف الطريق، فحيونا ومشوا بين أيدينا يهزجون الأهازيج البدوية حتى بلغنا بصرى.
ولبصرى ذكر في التاريخ مستفيض، ومجد مؤثل، وفيها كثير من آثار الماضي، ولم أكن قد دخلتها من قبل، فما استطعت رؤيتها في الظلام، ولم ألمح من آثارها إلا صفين من الأعمدة الضخمة، قائمين عند مدخل البلد، على طرفي الطريق الذي سلكناه إلى منزل آل المقداد، حيث رأينا الكرم الذي لا كرم بعده.
وبصرى مذكورة في الشعر قديمًا وحديثًا، ولكنهم لم يذكروها إلا ليذكروا نجدًا، ويعلنوا شوقهم إليها، وكأنهم لم يروا فيها ولا في الغوطة ولا وادي بردى ما ينسيهم تلال نجد ورماله، وذلك من حكمة الله، فإنه لولا حب الوطن ما سكن البلد القفار! فمن قولهم فيها:
أيا رفقة من آل بصرى تحملوا
رسالتنا لقيت من رفقة رشدا
إذا ما وصلتم سالمين فبلغوا
تحية من قد ظن ألا يرى نجدا
وقولوا له ليس الضلال أجازنا
وقولوا له ليس الضلال أجازنا