فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 32

وغادرنا دمشق، وكان الليل قد أسدل ستائره على الكون، وما زلنا ننأى عن هذه الجموع الهاتفة لنا، الداعية بالتوفيق والنجاح، ونبتعد عن هذا الحشد، حتى ابتلع صوته الليل وطواه سكونه، وغاب سواد الجمع في سواده الشامل، لم يبق من حولنا إلا السهول الفيح..

وكان صمت بليغ، فلم ينبس واحد منا، واستسلمنا جميعًا إلى عواطفنا وأحلامنا، وقد هاجها موقف الوداع، وأثارها هذا المستقبل المجهول الذي نقدم عليه، وهذه الصحراء المرعبة التي نسعى إليها، وهذه البقاع المقدسة التي نقصدها. وكنا نتلفت بين الفينة والفينة، فنملأ العين بمرأى أضواء (المهاجرين) ، وهي تسطع على نفوسنا المظلمة، كأن تسطع النجوم الهادية في الليلة الداجية، على الضال الحائر، ولم نكن ندري، أنعود إليها فنراها كرة أخرى، أم ستأكلنا الصحراء فيكون ذلك آخر العهد بها؟

وكنا نحدق فيها لننقش صورتها في نفوسنا، حتى نأنس بها في ليالي البعاد، ونذكر فيها آخر آية من آيات دمشق (البلد الحبيب) .

وكانت السيارات تسير متعاقبة يكاد ينوء بها ثقل ما تحمل، وكانت تحمل فوق طعامنا الشراب والفرش والخيام، والقدور والطباق، ومائتي (صفحة) بنزين، وعددًا هائلًا من آلات السيارة وأدواتها، وراديو (راد) وغير ذلك مما نيسته الآن، فكنا نعوذها بالله، ونرجو لها التوفيق، وليس فينا من يتحدث أو يتكلم إلا قائلًا كلمة، وسامعًا جوابًا، ثم يرجع الصمت حتى طلعت علينا أضواء أذرعات (درعًا) قصبة حوران..

بلغنا أذرعات (درعًا) عقب العشاء، فلبثنا فيها ريثما نظروا في جواز سفرنا وريثما صلينا، وأذرعات اليوم بليدة جميلة ذات قسمين - قسم جديد منظم بني على المحطة، وقسم قديم ينأى عنه قليلًا- وفيها سوق كبيرة، وأبنية جيدة، وهي قديمة ذكرتها العرب في أشعارها؛ لأنها - كما قال ياقوت- لم تزل من بلادها في الإسلام وقبله، وأنشد لبعض الأعراب:

لا أيه البرق الذي بات يرتقي

ويجلو دجى الظلماء ذكرتي نجدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت