ولم أكن قد أيقنت بالسفر إلا في تلك اللحظة، فما تصورتني كيف أفارق أهلي وموطني، وأكوح بنفسي في هذه الصحراء المخيفة، واستعبرت. وكنت أطل على بردى، وهو يجري زاخرًا فأتأمله، فأجده أحلى في عيني مما كان، وأحب إلى نفسي، وعز علي أن أفارقه، واستفاقت في ذهني مئات من الذكريات، وكرت علي حياتي كلها كأنها (فلم) أراه، فأبصرت في كل بقعة من دمشق، وطل طريق من طرقها قسمًا من حياتي، وهل حياة المرء إلا في قلوب أصدقائه، ووجوه أصحابه، وجوانب داره، ومشاهد بلده؛ فإذا فارق أهله، وغادر بلده، إلى بلد لا يعرفه، وأهل لا يألفهم، فكأنما مات نصف ميته. ومن أجل ذلك كانت الهجرة جهادًا في سبيل الله، ذلك لأنها لون من ألوان الموت، ولكن صاحبها ميت يعيش ليتألم، والميت مات فاستراح.
واستغرقت في هذه الأفكار فما صحوت إلا والموكب قد بلغ (بوابة الله) ووقف في ظاهر دمشق، ولم يعد موكبًا وإنما صار طوفانًا من البشر، ولجًا طاميًا من الناس، وكان من ثقله يزحف زحفًا، ويكبر فيزلزل الأرض، ويهتف فيشق عنان السماء، فلما بلغ (البوابة) وقف الوداع..
تركنا الموكب، وقد وقف في ظاهر دمشق، حول قبة (العسالي) ، وقد ملأت وفود المودعين تلك الساحة على رحبها، وقام الخطباء يخطبون، وقمت أشكرهم باسم الراحلين وأودعهم، وأشرح الغرض من هذه الرحلة.
وكانت الشمس قد جنحت إلى المغيب، فزاد شحوبها الموقف رهبة وجلالًا، وأقبل الناس علينا يودعوننا، فلم تكن ترى إلا عناقًا أو تقبيلًا وإخلاصًا متجليًا، وحبًا وعطفًا، فلم يبق في الناس من لم تسل عبراته.
وإن أنسَ لا أنسى مشهد حفيد لزكي آغا سكر من وجوه الميدانيين، ورفيقنا في سفرنا، وقد تعلق به لا يريد فراقه، ويبكي فيبكينا؛ فما كان أبلغ من بكاء الطفل الحفيد، إلا بكاء الجد الشيخ، وما تركه حتى انتزعوه منه انتزاعًا، وإن صوته ليرن في آذاننا ينادي: جدي جدي..