فهرس الكتاب
أخبرتني أمي أن حديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير..
عباءتي في يدي..
أين السائق.. ركبنا على عجل.. أين الطريق الذي كنت أذهب لأتمشى مع السائق فيه يبدو قصيرًا.. ماله اليوم طويل.. وطويل جدا..
أين ذلك الزحام المحبب إلى نفسي كي ألتفت يمنة ويسرة.. زحام أصبح قاتلًا ومملًا..
أمي بجواري تدعو لها.. إنها بنت صالحة ومطيعة.. لم أرها تضيع وقتها أبدا..
دلفنا من الباب الخارجي للمستشفى..
هذا مريض يتأوه.. وهذا مصاب بحادث سيارة. وثالث عيناه غائرتان.. لا تدري هل هو من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟!. منظر عجيب لم أره من قبل..
صعدنا درجات السلم بسرعة..
إنها في غرفة العناية المركزة.. وسآخذكم إليها. ثم واصلت الممرضة إنها بنت طيبة، وطمأنت أمي أنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها..
ممنوع الدخول لأكثر من شخص واحد..
هذه هي غرفة العناية المركزة..
وسط زحام الأطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر إلي وأمي واقفة بجوارها.. بعد دقيقتين خرجت أمي التي لم تستطع إخفاء دموعها..
سمحوا لي بالدخول والسلام عليها بشرط أن لا أتحدث معها كثيرا.. دقيقتان كافية لك..
كيف حالك يا نورة..
لقد كنت بخير مساء البارحة.. ماذا جرى لك..
"أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: وأنا الآن ولله الحمد بخير.. الحمد لله ولكن يدك باردة.."
كنت جالسة على حافة السرير ولامست ساقها.. أبعدته عني.. آسفة إذا ضايقتك.. كلا ولكني تفكرت في قول الله- تعالى-: { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة، الآيتان: 29- 30] . عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عن قريب أول أيام الآخرة..
و سفري بعيد وزادي قليل.
سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت.. لم أع أين أنا..
استمرت عيناي في البكاء.. أصبح أبي خائفا علي أكثر من نورة..
لم يتعودوا هذا البكاء والانطواء في غرفتي..