فهرس الكتاب
أما خيانة المرء نفسه فإن معناها العام المطلق يشمل أمرين:
-الخيانة الذاتية بأن يرتكب المرء من المعاصي والأفعال ما يضر به نفسه في الدنيا والآخرة.
-خيانة المرء أمته، باعتبار أنها من نفس واحدة كما قرر ذلك القرآن الكريم (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء1، وأن جماعة المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وتكون خيانتهم بانتقاص حقوقهم المادية كأكل أموالهم بالباطل، أو انتهاك أعراضهم أو سفك دمائهم، أو التجسس عليهم وكشف عوراتهم لأعدائهم، أو بانتقاص حقوقهم المعنوية بالامتناع عن الدفاع عنهم أو عن بذل النصيحة لهم أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، أو بخذلانهم في ساعات الضيق والعسرة، أو عدم دعوة الخلق إلى دين الإسلام؛ وقد جاء في الأثر: (المؤمنون بعضهم لبعض نَصَحَة وادُّون، وإن بَعُدت منازلهم وأبدانهم، والفَجَرَة بعضهم لبعض غَشَشَة مُتَخاِونون، وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم) (نسب القول للإمام علي رضي الله عنه، كما رفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أبو الشيخ بن حبان في كتاب التوبيخ، وكنز العمال ح 757، والترغيب والترهيب 2/ 575، ولا تصح نسبته للرسول عليه الصلاة والسلام)
وتتضح لنا المعاني وتستنير المعالم من تتبعنا لسياق قوله تعالى (وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) النساء107، فقد تلاها مباشرة قوله عز وجل (يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) النساء108، ثم تلاه مباشرة قوله سبحانه (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) النساء109، والجدال لغة شدة المخاصمة، من جدل الحبل إذا فتله، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يميل صاحبه عما هو عليه من رأي ويصرفه عنه.
وبمفهوم هذه الآيات الكريمة يعد خونة أنفسهم منافقين، نفاقا عقديا لأنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، ونفاقا عمليا لأن تصرفاتهم تناقض تعاليم الإسلام وإن تظاهروا بالإيمان، وهم بذلك محط غضب الله تعالى وبغضه (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) النساء107، وما أعظمه من ذنب يجلب على صاحبه بغض الله له، ومن أبغضه الله