فهرس الكتاب
وتابعين؛ وذلك لأنها تعتمد على الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، قولية وعملية وإقرارية، في الاعتقاد والعمل.
وقد كانت عقيدتهم حقا بين باطلين، الباطل الأول هو باطل المشبهة والمجسمة والحشوية الذين يشبهون الله تعالى بمخلوقاته، والباطل الثاني هو قول المعطلة الذين يعدون تصرفات الله غير حقيقية، فإذا وردت آية فيها مثلا أن الله صنع بيده أو نزل إلى سماء الدنيا، قالوا إن الله لا ينزل وإن اليد هي القدرة، وفي هذا التفسير تعطيل للذات عن صفاتها.
أما الحق الذي كان عليه أهل الحديث فهو أنهم لا يشبهون ولا يعطلون، فإذا وردت آية أو حديث في أحدهما ما يوهم بالتشبيه، كالاستواء على العرش أو النزول إلى السماء الدنيا أو يد الله، نزهوا الله تعالى عن أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، أو يده كيد المخلوق؛ كما أنهم لم ينكروا استواء الله أو نزوله أو يده، ولم يعطلوا الذات عن هذه الصفات، بل آمنوا بها وفوضوا أمرها إلى الله تعالى، وقالوا إنه تعالى استوى استواء يليق به وكما يعلمه، وله نزول يليق به ليس كنزول المخلوقات، وله يد تليق به تخالف يد المخلوقات، وهم في هذا الاعتقاد يثبتون النصوص كما وردت بدون تكييف أو تحديد (إثبات وجود لا إثبات تكييف أو تحديد) ، وما ذالك إلا لأنهم يحكمون فهم قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى 11.
قال الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الأعراف 54:"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"
وقال أحمد:"استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر"
ومن المعلوم أن العقيدة الإسلامية ظلت نقية في صدر الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لدى السلف الصالح، وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين طيلة ثلاثة قرون حددها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي الناس خير؟ بقوله:"قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"مسلم؛ ثم لما اتسعت الفتوحات الإسلامية اختلطت عقيدة بعضهم بالثقافات الأجنبية وثنية ونصرانية ويهودية وفلسفية، ونشبت معارك المنافسة على السلطة فظهرت الفرق والشيع، ولكن مدرسة أهل الحديث بقيت صامدة وبعيدة عن أي خلل أو انحراف. وكان مما عصمها تشبثها بعد القرآن الكريم بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك سميت مدرسة أهل الحديث، وكان للإمام مالك رضي الله عنه فضل كبير في هذا الأمر، لأنه أول من دون كتابا جمع فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلقاه المسلمون وحافظوا عليه وورثوه لمن بعدهم إلى عصرنا هذا، وهو كتاب"الموطأ"، فكان بذلك أول موثق لهذه المدرسة وأبرز زعيم لها.